الغيث الشامي

ما كتبته في حاشية كتاب "نقد العقل العلموي"

فيما كتبته في حاشية كتاب "نقد العقل العلموي" أثناء قرائتي له

من الانتقادات الجيدة التي ذُكرت في كتاب «نقد العقل العلموي» ما ساقه المؤلف عن تيار ما بعد الاستعمار

وهو أن المجتمع العلمي كان، في يوم من الأيام، يقبل «العلوم العنصرية» التي تبحث في أيّ الأعراق البشرية أرقى، وفي علاقة ذلك بحجم الجمجمة وتشريحها، ونحو ذلك. وأن الذين استطاعوا إنقاذ العلم من هذه الخرافات التي بُني عليها إجرام هائل في المجتمعات هم النقاد من الفلاسفة عمومًا، وفلاسفة العلم خصوصًا، رغم أنهم كانوا، في ذلك الوقت أيضًا، يظنون أن نجاح العلم الهائل لا بد أن يعني أن المجتمع العلمي قد بلغ غاية الاستنارة، والقوة العقلية، وصحة المنهج.

وبالتالي، فلو عاب العلماء التجريبيون في ذلك الوقت انتقاداتِ الفلاسفة، وأصرّوا على أن العلم غير خاضع للنقد والتقويم المستمرَّين في أيّ زمن من الأزمان، لتنقيته من التأثيرات السياسية والاجتماعية والأيديولوجية، وتقويمه معرفيًّا عندما ينحرف، بوصفه نتاجًا لمجتمع علمي مكوَّن من بشر يمثّلونه، وهم يصيبون ويخطئون، ويرد عليهم ما يرد على أي تجمّع بشري، لكان ذلك قد جعل العلم عالقًا إلى اليوم في تلك الحقبة الإجرامية.

في الأخلاق الطبيعانية


«إنك، وإن تخليتَ عن الإله المشرِّع، فلا بد أنك استبدلتَه بإلهٍ آخر أكثر خفاءً ونقصًا: الطبيعة ذات الإرادة العمياء المجازية. فحين تزعم أن البقاء للأصلح هو القانون الأسمى، فإنك في الحقيقة تؤسس لنظام قيمي مغلق، يجعل البقاء قيمةً عليا تحكم كلَّ فعلٍ وفكر، وبذلك تعيد إنتاج فكرة الغاية والمطلق التي حاولتَ إنكارها باسم العلم.
لكن الطبيعة لا تعطي مبررًا لغاياتها، ولا تفسر لماذا ينبغي أن يكون البقاء خيرًا، أو أن يكون الفناء شرًّا. وقصارى ما يفعله المذهب الطبيعاني هو تحويل الوصف إلى معيار إلزامي؛ فتأخذ ما هو كائن (الانتخاب والبقاء)، وتجعله ما ينبغي أن يكون (القيمة والمعيار). وهذا هو عين ما حاولت الفلسفة الأخلاقية والعلمية تجاوزه منذ قرون: الانتقال غير المبرر من "هو" is إلى "ينبغي أن يكون" ought.»
- نقد العقل العلموي، م. عبد القادر سبسبي.

وهذا يلخص أزمة الفلسفات الأخلاقية الإلحادية التي أشار إليها نيتشه، وهي أنك إذا نزعتَ الرابطة بين الأخلاق الإنسانية، النفعيةِ بطبعها، وبين الكمال الإلهي، وربطتَها فقط بالكمال البشري، فإن هذا سيجعل المذاهب الأخلاقية والتبريرات الأخلاقية متعددةً بعدد البشر.
فما ينفع أطيبَ الناس سيكون مختلفًا تمامًا عما ينفع أكثرَ الطغاة تجبرًا.
ودون العدل الإلهي، تصبح الأخلاق، مع حسنها، مثالياتٍ لا ضامنَ لأن تعود على فاعلها بالنفع الأكبر، ثم نكون قد أطلقنا رصاصة النهاية على المعايير الأخلاقية، وأفرغناها من معنى كلمة "خير" في كل اللغات البشرية المعروفة، لتتحول إلى جمل مثالية حبيسة أفكار الفلاسفة، كما حصل في أخلاق الواجب عند إيمانويل كانط.

الفارق بين اللاواقعيّ العلمويّ والواقعيّ العلمويّ:


"ولهذا لا بد ان اشير الى مسالة مهمة للمهتمين بفلسفة العلم وردود اللاواقعيين على الواقعيين، وهي ان ردود اللاواقعيين، وان كانت تتوافق مع نتائجنا، الا ان منهجيتهم تختلف عن منهجيتنا. فكما هو واضح، فان كوهن علموي كاصحابه الواقعيين، ولا فرق بينهما في هذه الجزئية، اذ انه يقدم العلم التجريبي مطلقا على العقل والنقل، لكنه يستنبط نتائج مختلفة عن اقرانه الواقعيين. ولهذا السبب، حين نستخدمهم كمرجع للرد، لا بد ان نتنبه الى هذه المسالة، اذ ان استنتاجاته مستمدة من تاریخ العلم، وهذا، وان کان لا باس به، الا انه ليس ضروريا لتحصيل مثل هذه الاستنتاجات. فعندما رد شيخ الاسلام ابن تيمية على المناطقة، لم يقتصر على الدليل التاريخي وبيان اختلافهم في اسس المنطق فيما بينهم، بل بين لهم بطريقة عقلية خطا منهجهم، مستخدما منهجية تاسیسية."
- نقد العقل العلموي، م. عبد القادر سبسبي.

الفارق بين اللاواقعيّ العلمويّ والواقعيّ العلمويّ: هو أنّ الواقعيّ العلمويّ يدّعي أنّ ادّعاءاتِ العلمِ الميتافيزيقيّة والأنطولوجيّة (الوجوديّة) صحيحة، حتى لو عارضت الدين؛ 
بينما اللاواقعيّ العلمويّ يدّعي أنّ الطريقة العلميّة—أيًّا كانت، وفي أيّ عصرٍ، ومهما تطوّرت وتغيّرت—هي أفضلُ من الدين وأنفعُ منه في التفسير.
لكنّ هذا لا يعني أنّ ادّعاءاتها الوجوديّة صحيحة؛ لأنّه، على وجهٍ عامّ، يشكّ في قدرة الإنسان على معرفة الغيب (لاأدريّة)، وهو نسبيّ في المعرفة عمومًا، وأداتيّ في التعامل مع العلم؛ يقبله لأنّه—بالنسبة له—يعطي نتائج أفضل من الدين.
وكما ترى، فإنّ لكلّ واحدٍ منهما معيارًا مختلفًا يبرّر به سببَ تقديم العلم على الدين في الحقول التي يتعارض فيها هذا مع ذاك.
قد يقول للمتديّن: يحقّ لك أن تعتقد ما تشاء في الغيبيّات، لكن دون أن تجزم أنّها صحيحة.
وقد يكون أكثر تطرّفًا في النسبيّة، فيقول له: يحقّ لك حتى أن تعتقد أنّها صحيحة، لكن بالنسبة لك فقط، وغير مُلزِمة لغيرك؛ لأنّ غيرك يفكّر بطريقة مختلفة، ولا يمكن أن تكون بينكما أرضيّة مشتركة بحيث إذا بنيتَ عليها أدلّةَ صحّة دينك صارت مُلزِمة لغيرك من العقلاء. واللاواقعيّ “عادةً” يرفض وجود “العقل الصريح”، لأنّه يقول بالنسبيّة المحضة (المعرفة تتبع الاعتقاد، والحسّ يتبع الاعتقاد)، وهذا ما يُعرَف بـ “التيّار العِنْديّ السوفسطائيّ”.
وهو ليس أسوأَ حالًا من الواقعيّ العلمويّ، الذي يقول أيضًا إنّ “العقل الصريح” متطوّر، وإنّ العلم قد يُزيّف ما يعدّه الناس فطرةً بديهيّة.
تعدّدت الأسباب والمنطلقات، والنتيجة واحدة: لا تتوقّع أن تجد في بيئةٍ إلحاديّةٍ من يأتي فيسلّم لك بنتائجَ لصالح المتديّنين!

لكن هل يمنع هذا من استخدام بعض حجج اللاواقعيّين العقليّة؟


هنا ما لا يفهمه بعض النقّاد: إنّ هذه الحجج صحيحة بالعقل الصريح (الذي لا يقرّ بوجوده اللاواقعيّون، وهم متناقضون في ذلك). فكثيرٌ من المتديّنين في الغرب فعلًا يستعملونها ضدّ وثوقيّة العلمويّين الواقعيّين، لكنّهم يوظّفونها في سياقٍ مختلف عن سياق التيّار اللاواقعيّ التشكيكيّ النسبيّ ما بعد الحداثيّ.

وكما ذكرتَ، لا يمكن فصل الخلاف الواقعيّ/اللاواقعيّ في العلم عن خلاف الحداثة وما بعد الحداثة في التعامل مع المعرفة البشريّة.

"في الممارسة العملية في الفصول الدراسية، غالبًا ما ينسب الوضعية إلى المعرفة العلمیة مستوی من الیقین یشبه ذلك الذي تصوره بییر سیمون لابلاس، وجهة نظر آلية وحتمية للكون؛ إذ تتبع جميع الأحداث منطقيًّا الظروف السابقة. يميز هذا التصور العلم عن التخصصات الأخرى بالإيحاء بأن الاستنتاجات العلمية معصومة من الخطأ ومحصنة ضد التغيير. ومن ثم، غالبًا ما يُدرَّس العلم بطريقة تتجاهل السياقات الاجتماعية والثقافية الأوسع التي تُنتَج فيها المعرفة العلمية. وبتقديم النظريات العلمية على أنها حقائق مطلقة بدلًا من أنت تقدم على أنها نماذج مؤقتة قابلة للمراجعة، يخاطر المعلمون بغرس وجهة نظر دوغمائية للعلم بدلًا من تعزيز فهم أعمق لطبيعته الديناميكية. وهذا حال الملاحدة اليوم."
- نقد العقل العلموي، م. عبد القادر سبسبي، ص103.

في التصور العلموي الوضعي السائد بين طلاب العلوم الطبيعية

"الاعتقاد السائد لدى الملاحدة بأن هناك علاقة مباشرة وحتمية بين المشاهدات والتجارب العلمية من جهة وبين التفسيرات والاستنتاجات العلمية من جهة أخرى، ليس مجرد رأي عفوي أو استنتاج شخصي المتحرر من جميع القيود كما يصورون أنفسهم، بل هو مفهوم متأصل في المناهج الدراسية التي تدرَّس في المدارس والجامعات. هذه المناهج غالبا ما تقدم العلم بوصفه عملية خطية تتبع نهجًا صارمًا يبدأ بالملاحظة، ثم الفرضية، ثم التجربة، وأخيرًا التوصل إلى نظرية أو قانون، متجاهلة بذلك الطبيعة المعقدة والمركبة للمعرفة العلمية، والتي تتطلب التفسير، وإعادة النظر، والتأمل النقدي في البيانات والمعطيات. هذا النهج يبين بوضوح الفلسفة الوضعية، التي تفترض أن الحقيقة العلمية تستند فقط إلى الملاحظات الحسية والتجريبية، بدون أن تأخذ في الاعتبار العوامل العقلية أو التأويلية التي تؤدي دورًا جوهريًّا في صوغ المعرفة. وبهذا، فإن الفلسفة الوضعية تعزز فكرة أن "الطبيعة تتحدث مباشرة" من البيانات، متجاهلةَ دور الإنسان في تفسير هذه البيانات، وخلق المعاني، وبناء الفهم العلمي بناءَ على السياق النظري والفلسفي."
- نقد العقل العلموي، م. عبد القادر سبسبي، ص103.
"سعى أنصار الوضعية المنطقية إلى نفي القيم (عن العلم التجريبي). فقد رأوا أن إدخال القيم في مجال المعرفة العلمية يضعف موضوعية المنهج العلمي وصرامته التجريبية.
وانطلاقًا من موقفهم المادي الطبعاني، رأوا أن العلم ينبغي أن يكون خاليًا من الأحكام القيمية، وأن يُبنى فقط على الوقائع القابلة للرصد والتحقق.
لكنهم مع هذا التصور وقعوا هم أيضًا في مغالطة خلط بين ما في الأذهان وما في الأعيان، أي: بين نموذجهم المثالي للعلم، وبين واقع الممارسة العلمية كما تحدث فعلیًّا.
فقد تصوروا إمكان قيام علم خالص من القيم، يفصل تمامًا بين المنهجية العلمية وبين الخلفيات النفسية والثقافية والاجتماعية للعلماء. وهذا افتراض مثالى متخيَّل لا يصمد أمام الفحص؛ لأن المنهج العلمى ذاته -بوصفه نشاطًا إنسانيًّا- ينبع من الذات العارفة، ويتكون ضمن سياقات بشرية مشبعة بالقيم والمعايير.
فكيف يُتصور أن تكون المنهجية العلمية موضوعية خالصة بينما هي نتاج العقل البشري ذاته؟
بل إن اختيار ما نبحث فيه، وما نعده "مهمَّا"، أو "ذا معنى"، أو حتى "صالحًا للتمويل"، كلها قرارات تنطوي على أحكام قيمية ضمنية.
وبذلك، فإن تصور الوضعيين عن العلم بوصفه محايدًا ومفصولًا عن القيم لا يعبر عن الواقع، بل يعبر عن نموذج مثالي متخيَّل يصعب تحقُّقه، وهو ما أثبتته فيما بعد الفلسفة المعاصرة للعلم، خاصة مع توماس كوهن، و Imre Lakatos لاكاتوش، و Paul Feyrabend فايرابند." - نقد العقل العلموي، م. عبد القادر سبسبي.