الغيث الشامي

ما كتبته في حاشية كتاب "في ماهية الطبيعيات"

فيما كتبته في حاشية كتاب "في ماهية الطبيعيات" أثناء قرائتي له

اقتباسات مهمة

"فعلم الكونيات هو دراسة الكون بصورة كلية إجمالية على أكبر مقاييس الزمن والمسافة، وهو في أكثره تأريخ، في حين أن الفيزياء الفلكية تدرس الأفلاك بصورة فردية، مثل النجوم والكواكب.
ولأجل الخلط بينهما، قد يظن بعض من يقرأ في نقد علم الكونيات أنه بالضرورة نقد للفيزياء الفلكية وما توصل إليه الإنسان من إنجازات تجريبية تتعلق بالفضاء القريب، لكن هذا لا ينفي أن بين الفيزياء الفلكية والكونيات تداخل كفنين متقاربين يتشاركان في بعض الأوجه، وقد يتأثر بعضهما ببعض، كما أنه لا يعني أيضا أن الفيزياء الفلكية فن تجريي محض في كل جوانبه كالعلوم التجريبية التي يمكن للإنسان رصد موضوع البحث فيه حسيا بصورة مباشرة.
ولهذا تتفاوت العلوم، بل وتتفاوت النظريات والفرضيات في كل علم من تلك العلوم."
- في ماهية الطبيعيات، م. أحمد عصام النجار.

ما كتبته في حاشية كتاب "في ماهية الطبيعيات" :

"لكن هنا ملحوظةٌ مهمّة حول هذا التعريف، وهي أن لفظة «التجربة» لا يُراد بها «الاختبار» أو إقامة التجارب العلمية المعملية وما شابه ذلك، وإنما يُراد بها: الخبرة، أو الرصد الحسي، أو الملاحظة. ولهذا ذكرتُ مرادف هذه اللفظة بما يدل على المعنى المقصود، وهو «Experience» لا «Experiment». فلفظة «التجربة» إمّا أن يُراد بها الرصد الحسي والملاحظة فحسب، وإمّا أن يُراد بها ما هو أخصّ من ذلك: وهو إقامة التجارب العلمية ذاتها، التي تقتضي رصدًا حسّيًا في أثنائها؛ وهو ما قد يُترجم إلى «التجريب»."

- في ماهية الطبيعيات، م. أحمد عصام النجار، ص 43.

تنبيهٌ مهم؛ فإن لفظة «التجربة» تختلف دلالتها بحسب السياق.

ففي السياق الإبستيمي (أي في نظرية المعرفة)، يُراد بها مطلق الحسّ؛ أي خبرةٌ حسّية تُعدّ تجربة.
أمّا في سياق فلسفة العلم، أو في العلم التجريبي عمومًا، فإن «التجربة» هي التجربة الخاضعة للطريقة العلمية (Scientific Method)، مثل: التجارب المخبرية، والأرصاد الفلكية، والإحصاءات، إلخ.
وقد يجتمع المعنيان وقد يفترقان؛ فليس كلُّ تجريبيٍّ في المعرفة يحصرُ المعرفةَ في التجربة العلمية، وليس كلُّ عقلانيٍّ في المعرفة يلتزم بإثبات غيبيّاتٍ تتجاوز الكيانات التي يعترف بها العلم بوصفها كياناتٍ تجريبية.

النسبويين أيضًا مثل الواقعيين لا يفرقون بين المحسوس وغير المحسوس!

"ومما دفع كواين لهذا القول الأخير، هو التفسيرات المثالية لفيزياء الكم، لكن هذا إمكان محض، وذلك لأن تلك القواعد العقلية الأساسية تقع في منطقة قريبة من مركز شبكة المعتقدات «Web of Belief»، وبالتالي فإن مراجعة أو تنقيح تلك القواعد العقلية الأساسية البديهية يستلزم إعادة النظر في كل ما يعتمد عليها ويتصل بها في شبكة المعارف، وهذا يستلزم إعادة النظر في كل معرفة بشرية تقريبًا، لا سيما لو أعدنا النظر في قانون التناقض، فإن هذا هو الأساس الركیز."

- في ماهية الطبيعيات، م. أحمد عصام النجار.

ولاحظ كيف أن كواين نسبوي مع أنه يقول بالأطروحة الواقعية العلمية الأساسية، لا يرقى فرقًا في تعاطي العلم مع الواقع المنظور وغير المنظور، بالنسبة له معرفتنا عن الإلكترون مماثلة تماما لمعرفتنا عن الطاولة، ومعرفتنا عن الثقب الأسود والزمكان مماثلة تمامًا لمعرفتنا أن هناك دماغ في رؤوس البشر أو أن الشجرة لونها أخضر! (راجع نقد كواين)

بل ربما صفات الشجرة اللونية وأنها فعلًا كما نرصدها بمختلف الحالات البيئية محل شك عند بعض الواقعيين بينما الثقب الأسود كما نتصوره لا يحتمل أي شك.

ودونك مثالًا أوضح وهو فيرنر هايزنبرغ الذي يجعل إدراكنا للواقع هو الذي يشكله أصلًا (مثالية)، بناء على "تأويله لتجارب معينة في ميكانيكا الكم"، تخيل كيف أن تأويله لتجربة معينة أكثر ثقة من بديهة عقلية فطرية هي أن حواسنا ترصد العالم بصورة مطابقة له إجمالًا، عندما أفتح النافذة وأنظر للشارع، هناك فعلًا واقع هذا شكله في نفس الأمر وأنا أرصده، حتى لو لم تكن حواسي لانهائية الدقة، فإنها ترصد بدقة ما شكله على مستوى معين مناسب لحجمي أنا وزاوية إدراكي له يطابقه فعلًا في نفس الأمر ولا يتغير بإدراكي له.

هذه مسلمة فطرية قام عليها العلم التجريبي أول ما قام، وأصبحت فكرة التجربة العلمية والمشاهدة العلمية مسوغة أصلًا بناء على ثقة البشر بحواسهم وفهمهم الفطري لوظيفتها وإمكانياتها.

لكن هم يسلمون أن العلم التجريبي في أشكل وأدق الأماكن وأبعدها عن الرصد المباشر التي يمكن أن يصل إليها، هو أكثر وثوقية من أكبر البديهيات الفطرية والمسلمات عند البشر.

أحد النقاد الذي اتهمنا بالسفسطة مثلًا يقول في كتابه "اختراق عقل ط3 ص26": 

"وكذلك الأمرُ نفسه حول تصوّرنا عن الألوان من حولنا، فنحن ننظر إليها فنجدها تصبغ الأشياء بالأخضر والأصفر والأحمر فنحسبها صفة ذاتيّة لتلك الأشياء، والحقيقة أنّها امتصّت باقي الأطوال الموجيّة من الأشعة الضوئيّة التي سقطت عليها وعكست اللّونَ الذي نراه صابغًا لها، وكذلك الأشياء السّوداء امتصّت كلّ الأشعة ولم تعكس شيئًا."

فالبديهيات عنده هي تلك البديهيات الديكارتية التي لا تثبت بداهتها إلا إذا كان نفيها يؤدي للتناقض، مع أن بديهة عدم التناقض نفسها لا يمكن أن تثبتها بأن نفيها يؤدي للتناقض، وهو يدافع هنا بأن البديهة فقط هي كل مسلمة ذهنية لا يمكن التفكير في أي قضية دون استعمالها والبناء عليها، ونقول: من قال؟

هل هذه الدعوى نفسها مسلمة بدهية؟ لا.

فبالنسبة إليه، ميكانيكا الكم استطاعت أن تشكك بمسلمة أن الشيء المتعين في الخارج، لا يمكن أن يكون في مكانين منفصلين تماما معًا في نفس الوقت، واستطاعت أن تشكك بالفهم الفطري للبصر الذي لا يدرك أصلًا إلا الألوان من الخارج، أنها فقط وهم محبوس داخل رؤوسنا لأن العلم الطبيعي أثبت بشكل يقيني ومنصرم أنه لا وجود لأي لون في الخارج قائم كصفات في الأشياء أبدًا، ويختزل حقيقتها إلى وصف العلم التجريبي لطبيعتها الفيزيائية الموصوفة نظريّا دون المحسوسة كتجربة مباشرة! مكذبًا للغة الطبيعية والفهم الفطري المشترك بين كل البشر.

وهنا ينسحب عنده على المفاهيم الذهنية البدهية الأخرى مثل حقيقة الزمان والمكان والسببية، فكلها قال فيها العلم كلمته النهائية.

فيقول: 

"والأمرُ نفسه قد يطبق على الزمان وعلى طبيعة الأجسام والموجات، وعلى أشياء كثيرة غيّرت العلوم تصوّراتنا عنها، وعارضَ كثيرون هذه العلوم بسبب خلطهم بين التصوّر البدائي وبين الفطرة أو البديهة."

فالسببية يمكن إنفكاكها عن التقدم والتأخر الزمني! "كما يقرر ذلك في الكتاب" (لا يلزم أن يكون سبب الشيء قبله!)، والمكان ليس مجرد نسبة الفوق والتحت والداخل والخارج، والزمان ليس مجرد معاني تصف ترتيب الحوادث في الخارج بقبل وبعد وتصف العدم والوجود بوجد وانتهى (ماضي) وهو الآن معدوم لكنه سيوجد لاحقًا (مستقبل) وهو الآن موجود (حاضر).

كل هذا لأنه يرى أن نجاح العلم التجريبي يؤهله لإعادة النظر في كل شيء ما عدا بعض البديهيات التي اشترط فيها شروطًا صارمة جدا للحفاظ عليها حتى يستقيم له إثبات وجود الله، ولا يوافقه باقي الواقعيين عليها كما رأيت بل يطردون المنهج.

العلم التجريبي يمكن أن يقول كلمته حول أي تصور ذهني قديم عند البشر ويعيد تعريفه وتشكيله ولا مانع من ذلك مهما كان فطريّا ضروريّا في نفوس البشر.

فتأمل يا رعاك الله.


فلسفة كارل بوبر ليست مسلّمة بديهية!

"وعلى هذا، يرى «بوبر» أنَّ العلومَ الطبيعيةَ لا تحتاجُ إلى الاستقراء أصلًا. ونحنُ نتفقُ على أنَّ ما تتفقُ عليه الأكاديميا الغربية على وصفه «علمًا طبيعيًّا» قد لا يحتاجُ بالضرورة إلى الاستقراء؛ وذلك —مثلًا— في بعض الأبحاث التي تفترضُ نيزكًا اصطدم بالأرض منذ ملايين السنين؛ إذ ليس هذا بحثًا استقرائيًّا يُفضي إلى قضيةٍ كليةٍ أو تعميمٍ ما. فمثلُ هذه الأبحاث لا تفتقرُ إلى الاستقراء. غيرَ أنَّ كثيرًا من مباحث العلوم الطبيعية يفتقرُ فيها إلى الاستقراء؛ كقولنا: «كلُّ معدنٍ يتمدَّدُ بالحرارة». فكيف يتأتّى لنا معرفةُ هذه القضية الكلية إن لم نكن في حاجةٍ إلى إعمال الاستقراء ابتداءً؟!"
— في ماهية الطبيعيات، م. أحمد عصام النجار.
 
بعضَ المشتغلين بالعلوم التجريبية —مِن الممارسين أو المنظِّرين— يُنظِّرون لها تنظيرًا «دونَ فلسفيٍّ أصوليٍّ»؛ أي إنهم يقتصرون على شرح الجانب النظري من النظريات، أو تدريسها، أو تبسيطها، دون الدخول في مباحث فلسفة العلوم وما تقوم عليه من أسسٍ معرفية، وتصوراتٍ، ومسلمات. فإذا تكلّموا في فلسفة العلم، غالبًا ما تقتصر معارفُهم على كارل بوبر.
ويظنّون أنه قال الكلمةَ الفصلَ في فلسفة العلم، مع أنَّ المجالَ تطوّر بعده، وهو نفسُه تعرّض للنقد، ولم يُقدِّم أمرًا بديهيًّا لا يقبل النقد. وبالنهاية، فإن مسألة «قابلية التكذيب» مسألةٌ منهجيةٌ فلسفية، وليست مسألةً تجريبيةً تأكدنا من صحتها بالتجربة. بل إنَّ بوبرَ نفسَه كان يُرجِّح معيارَه على التحقّق التجريبي أصلًا.
ذلك أنه يُضعِف من شأن الاستقراء والتأكيد بالمشاهدة المُثبِتة؛ لذلك يقول بمبدأ التكذيب: «يمكنك التكذيب بالمشاهدة، أمّا التأكيد بالمشاهدة فضعيف». وكان في هذا متأثرًا بديفيد هيوم في مسألة الاستقراء والتشكيك فيه.

يُقيم مؤلِّف كتاب «في ماهيّة الطبيعيات» فرقًا دقيقًا بين نوعين من الاستدلال:
الاستدلال التفسيري (Abductive Reasoning) وهو مرحلةٌ مبدئيةٌ تُحاول فيها اقتراح فرضيّاتٍ تفسِّر الظاهرة.
الإحالة إلى أفضل تفسير (Inference to the Best Explanation)، اختصارًا: IBE وهو الإحالة إلى أفضل تفسير فهي مرحلةٌ لاحقةٌ تُفاضِل فيها بين مجموعةٍ من الفرضيّات التفسيريّة للظاهرة نفسها، للوصول إلى أفضل فرضيّة ضمن تلك المجموعة.
وكثيرٌ من الكتابات تخلط بين المرحلتين وتسوّي بينهما.

ختامًا، رأيي في الكتاب..

إذا أردتُ تقييم كتاب «في ماهيّة الطبيعيات» فسأنظر إليه من جهتين:

  • الأولى: الغرض الذي أُلِّف لأجله؛ هل وفّاه المؤلِّف حقَّه، وما مقدار إحكامه في تحقيقه؟
  • والثانية: أهميّة ذلك الغرض في نفسه.

وعلى الجملة: فالكتاب جدير بالاقتناء، وهو من أنفع ما يُقترَح للمبتدئ في فلسفة العلم؛ إذ يقدّم مدخلًا استرشاديًا لأول الطريق، ويمنح القارئ إطلالة على أبرز الموضوعات، مع حواشٍ نقديّة يسيرة قريبة المأخذ، كما يعرض أهم المذاهب في هذا الباب، ويقرّب صورة ما عند كل فريق من صواب وخطأ.

والكتاب من قبيل السهل الممتنع؛ وعلى عادة المهندس أحمد عصام النجار، يحرص على تبسيط المسائل وتقديمها للقارئ الجديد، لا على وجه «النزول إلى الأفهام»، بل على وجه الارتقاء بها.

وأمّا أهميّة الكتاب فراجعة إلى أهميّة موضوعه؛ إذ إنّ من جهل أصول فلسفة العلم قد تغشاه—وهو لا يشعر—عقائد وشبهات تخالف دينه باسم «العلم». فإذا وعى هذه الأصول، وتحصّل له قدرٌ من الملكة النقدية لتمحيصها، صار أقدر—بإذن الله—على تفكيك كثير من الشبهات في هذا الباب.