1. الوضعية المنطقية: الكليات ضربٌ من اللغو
في مطلع القرن العشرين، رفعت الوضعية المنطقية لواء الحسم في معنى القضايا. فقد قرّر فلاسفتها – وعلى رأسهم كارنب وشليك – أن الجملة لا تحمل معنى إلا إذا كانت قابلة للتحقق الحسي المباشر "الفوري"، أو قابلة للتحليل الصوري الرياضي (أرقام). وبهذا التعريف الضيّق، أُقصيت الكليات من ميدان العلم؛ فالكلمات من قبيل: "القوة"، "المجال"، "الذرة" لا قيمة لها في ذاتها، وإنما يُقبل منها ما يُترجم إلى عبارات ملاحظة: "الجسم تسارع"، "الإبرة انحرفت"، "الغاز تمدد". أما القول بوجود "جوهر" أو "ماهية" أو "مجال يملأ الفضاء"، فهو عندهم ميتافيزيقا فارغة، لا تزيد عن لغو لفظي.
وهذا الموقف في جوهره امتداد لنزعة الاسمية، لكن بصورة أشد صرامة؛ إذ لم يكتفوا بجعل الكليات أسماء فحسب، بل أنكروا عليها المعنى أصلاً إن لم ترد في ثوب الخبرة الحسية المباشرة. فكان أن ضيّقوا أفق العلم، وجعلوه رهين ما يُرى ويُلمس دون غيره.
2. التجريبية المنهجية: الكليات مفاهيم وظيفية
أما التجريبية المنهجية، فقد سلكت طريقًا آخر. فمنذ بيكون وهرشيل، ومرورًا بديوي وكارترايت، نُظر إلى الكليات لا بوصفها جواهر مفارقة كما عند الأفلاطونيين، ولا مجرد أسماء خاوية كما عند الاسميين، بل باعتبارها مفاهيم تصورية-وظيفية. فهي أدوات عقلية نصوغ بها المشترك بين الجزئيات، ونستعملها لتنظيم التجربة وبناء الفرضيات وصياغة القوانين.
فكلمة "يد" لا تشير إلى ماهية أزلية، بل إلى وظيفة مشتركة (الإمساك والحركة) رغم اختلاف الأشكال. وكلمة "تفاح" لا تدل على جوهر مفارق، بل على سمات عامة (ثمرة، طعم معين، نمو على شجرة مخصوصة) رغم اختلاف اللون والحجم. وكذلك "القوة": مفهوم يجمع بين سقوط الأجسام، وجذب الكواكب، وشدّ النابض، في إطار سمة واحدة هي تغيير حالة الحركة.
وبهذا المعنى، تغدو الكليات جزءًا من الميتافيزيقا الطبيعية التي لا غنى عنها للعلم؛ إذ بغيرها يستحيل التعميم، ويتعذر بناء النظريات.
3. الأثر في التطبيق العلمي
عند الوضعية المنطقية: الذرة قبل أن تُرصد لا معنى لها، والمجال الفيزيائي ليس كيانًا بل مجرد صياغة حسابية. كل ما لا يدخل في الملاحظة الآنية فهو لغو.
عند التجريبية المنهجية: الذرة افتراض منهجي مشروع يقود البحث حتى لو لم تُرصد بعد، والمجال مفهوم علمي واقعي ما دام يُنتج آثارًا قابلة للاختبار. فالكليات هنا ليست عائقًا بل أداة توسّع أفق العلم، وتفتح له أبوابًا تتجاوز الحس المباشر.
4. النقد الموجّه إلى الوضعية
- بالغوا في تضييق دائرة المعنى بمبدأ التحقق، حتى كذبوا علم الإنسان بأنه يعلم معنى كثير مما يقوله حتى قبل مشاهدته المباشرة!
- وقعوا في مفارقة: لو لم يكن للذرة معنى قبل رصدها، فكيف عرفنا أن ما رصدناه لاحقًا هو الذرة نفسها؟
- تجاهلوا أن العلماء يستخدمون النماذج والرسوم والتصورات ليمنحوا هذه المفاهيم معنى عمليًا قبل تحققها التجريبي.
- انزلقوا إلى إسميّة متطرفة أنكرت أن للكليات أي دور معرفي، مع أن اللغة العلمية تقوم عليها في صياغة القوانين العامة.
وأنها هي نفسها كنظرية معيارية للعلم لا تمثل تحقق حسي مباشر وليست هي أرقام قابلة للتحليل الصوري!
5. خلاصة
يتبين من هذا كله أن الوضعية المنطقية أفرغت الكليات من أي معنى، وجعلت العلم محصورًا في لغة الملاحظة المباشرة. أما التجريبية المنهجية، فقد أعادت للكليات اعتبارها، لا كجواهر قائمة بذاتها، بل كأدوات مفهومية تنظّم التجربة وتوجّه البحث. وبهذا كان موقفها أوفق بتاريخ العلم ومساره، إذ كثيرًا ما يسبق التصور النظري الرصد المباشر، كما جرى في قصة الذرة والمجال والقوة.