مقدمة
ليست المسألة الأخلاقية، إذا أُخذت مأخذها الفلسفي الدقيق، مجرد سؤال عملي عن الفعل الذي ينبغي أن يفعله الإنسان، بل هي قبل ذلك سؤال عن حقيقة الحسن والقبح، وعن منشأ الإلزام، وعن صلة الفعل بالواقع، وعن وجه التفاضل بين الأفعال، وعن الفرق بين ما يكون حسنًا من جهة منشئه ومقتضاه، وما يكون حسنًا من جهة مآله وسياقه، وما يكون قبيحًا من وجه ثم يغمر قبحه وجه حسن أرجح.
ومن هنا ينبغي التفريق بين الأخلاق المعيارية Normative Ethics وما وراء الأخلاق Meta-Ethics. فالأولى تسأل: ما معيار الفعل الصحيح؟ أهو الواجب، أم العاقبة، أم الفضيلة، أم المصلحة؟ وأما الثانية فتسأل: ما معنى أن يكون الفعل حسنًا أو قبيحًا؟ أهما صفتان واقعيتان في الأفعال، أم مجرد أوامر خطابية، أم أحكام نفسية، أم اعتبارات اجتماعية؟ ثم إذا ثبت أن الفعل حسن أو قبيح، فمن أين جاءت إلزاميته؟ ولماذا يجب على الإنسان أن يفعله أو يتركه؟
وهذا التمييز ضروري في قراءة مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه ابن القيم رحمهما الله؛ لأن الكلام في مذهبهما لا ينبغي أن يبدأ بتصنيف جاهز، ثم تُحمل النصوص عليه، بل ينبغي أن يبدأ من أسئلته الأصلية: هل في الأفعال صفات واقعية من حسن وقبح؟ وهل ترجع هذه الصفات إلى كمال ونقص، ومصلحة ومفسدة؟ وما منزلة العقل والفطرة في إدراك ذلك؟ وما وظيفة الشرع بعد ذلك: أهو منشئ للصفة من عدم، أم كاشف ومثبت وملزم ومرتب للثواب والعقاب؟
محل النزاع بين الأخلاق المعيارية وما وراء الأخلاق
إذا قيل: العدل حسن، فهذه جملة أخلاقية. لكن البحث فيها يقع على مراتب. فقد يسأل السائل: هل يجب العدل في هذه الواقعة؟ وهذا سؤال معياري. وقد يسأل: لماذا كان العدل حسنًا أصلًا؟ وهذا سؤال ميتا-أخلاقي. وقد يسأل: كيف عرفنا حسنه؟ وهذا سؤال إبستمولوجي. وقد يسأل: هل حسن العدل صفة واقعية فيه أم مجرد أمر شرعي؟ وهذا سؤال أنطولوجي في الأخلاق. وقد يسأل: إذا عرف الإنسان حسن العدل سواء بالعقل أو بالشرع، فلأي شيء سيسلزمه فعله أو تركه؟ وهذا سؤال في الإلزام والمؤاخذة.
ومن الخطأ أن يخلط الباحث بين هذه المراتب. فالشرع قد يثبت الحكم التكليفي، والعقل قد يدرك جهة مصلحة أو مفسدة، والفطرة قد تشهد بأصل الحسن والقبح، والوحي قد يكشف مآلًا لا يبلغه العقل. ولا يلزم من ثبوت صفة في الفعل قبل الخطاب أن تثبت المؤاخذة قبل الخطاب، كما لا يلزم من كون الشرع هو المثبت للإيجاب والتحريم أن تكون الأفعال قبل الخطاب عارية عن كل صفة من حسن أو قبح أو مصلحة أو مفسدة.
نقد الواجبية المثالية ومأزق القاعدة المجردة
الواجبية الكلاسيكية تجعل أصل الحكم على الفعل مطابقته للواجب أو القاعدة الملزمة في ذاتها. فالصدق حسن لأنه واجب، والكذب قبيح لأنه مخالف للواجب، ولو بدا في بعض الصور أن الصدق يفضي إلى ضرر وأن الكذب يفضي إلى نفع. ومن أشهر صور هذا الاتجاه الأخلاق الكانطية Kantian Ethics، حيث يطلب من الفاعل أن يعمل بمقتضى الواجب لا بمقتضى حساب النتائج.
والإشكال في هذه الصورة، إذا جُردت من النظر في الواقع والمآل، أنها تجعل القاعدة كأنها موجودة في عالم مثالي متعالٍ على الفعل والفاعل والقابل والسياق. فالقاعدة صحيحة لأنها صحيحة، والواجب واجب لأنه واجب، ثم لا يُسأل عن صلته بالكمال والنقص، ولا عن أثره في الخارج، ولا عن وجه المصلحة أو المفسدة فيه.
فإذا اصطدمت هذه الواجبية بواقع يؤدي فيه الالتزام الحرفي بالقاعدة إلى مفسدة عظيمة، وقفت بين طريقين. فإن قالت: يجب التزام القاعدة مهما وقعت الكارثة، صارت مثالية قاسية لا يطمئن إليها الحس الأخلاقي. وإن قالت: بل تترك القاعدة عند الكارثة، فقد أدخلت العاقبة معيارًا حاسمًا بعد أن كانت ترفض أن تكون العاقبة أصلًا في الحكم.
ومن هنا نشأت الواجبية المرنة Moderate Deontology أو واجبية العتبة Threshold Deontology. وهي تقرر أن القاعدة واجبة في أصلها، لكنها قد تستثنى عند بلوغ الضرر حدًا كارثيًا. غير أن السؤال يبقى قائمًا: ما معيار هذه العتبة؟ ولماذا صارت العاقبة معتبرة هنا؟ فإن كانت العاقبة تصلح لترجيح واجب على واجب أو لتعطيل قاعدة في موضع بعينه، فقد صار لها سلطان معياري حقيقي. وإن لم يكن لها هذا السلطان، فلا يصح استدعاؤها عند الأزمة.
لذلك تبدو الواجبية المرنة في كثير من صورها علاجًا إنقاذيًا Ad hoc. فهي لا تعيد بناء أصل النظر الأخلاقي على نحو يجعل العاقبة والمصلحة والمفسدة داخلة في أصل الحكم، بل تبقي القاعدة مجردة في أصلها، ثم تستدعي العاقبة عندما تضيق بها النتائج. وهذا هو موضع الخلل: ليس في مجرد الاستثناء، بل في أن الاستثناء لا يخرج من أصل المذهب خروجًا طبيعيًا، بل يأتي كترقيع عند الضغط الواقعي.
العواقبية المرنة وحدود النفعية الحديثة
العواقبية Consequentialism عائلة واسعة من المذاهب، وليست قولًا واحدًا بسيطًا. ففي داخلها خلافات في طبيعة الخير: هل الخير لذة، أم سعادة، أم مصلحة، أم كمال؟ وهل المعتبر هو المنفعة العامة أو الفردية؟ وهل العبرة بالكم أو بالكيف؟ وهل تقاس الأفعال مفردة، أم تقاس القواعد بما تثمره غالبًا؟
ومن هنا لا يصح اختزال العواقبية في صورتها النفعية الحديثة التي تحسب مقدار اللذة أو المنفعة. فالعواقبية قد تكون قواعدية Rule Consequentialism، أو ذات مستويين Two-Level Consequentialism، أو كمالية Consequential Perfectionism، أو معتبرة للمآل الأخروي إذا كانت عواقبية دينية.
والعواقبية المرنة Moderate Consequentialism أكثر اتساقًا من الواجبية المرنة من جهة الاستثناء؛ لأنها لا تقول إن القاعدة صحيحة بذاتها ثم تستثنيها عند الأزمة، بل تقول إن القاعدة معتبرة لأنها في الغالب تنتج خيرًا، وتحفظ نظامًا، وتمنع فسادًا، وتحقق مصلحة. فإذا جاءت حالة شاذة لم تعد القاعدة فيها محققة للغرض الذي وضعت لأجله، كان الاستثناء امتدادًا لمنطق القاعدة لا نقضًا له.
لكن المذهب الذي نقرره هنا لا يقف عند العاقبة مجردة. فلا يكفي أن يقال: الفعل حسن لأنه أنتج نفعًا ما لأحد ما. بل لا بد أن ينظر في منشأ الفعل: هل صدر عن كمال أو عن نقص؟ وفي ماهيته: هل يتضمن كمالًا أو نقصًا؟ وفي مآله: هل يفضي إلى خير راجح أو شر راجح؟ هل النفع أو الضرر هو فعلًا خير أو شر أم أنه في موضع غير مستحق، فالحسن لا يثبت بمجرد النتيجة، بل باجتماع جهة المنشأ وجهة الماهية وجهة المآل، على قدر طاقة الفاعل والسياق.
"الخارجانية الكمالية النفعية" والعلاقة بين المعرفة الأخلاقية والواقع
مرادنا بالخارجانية الكمالية النفعية أن الفعل الأخلاقي ليس مجرد صورة ذهنية ولا قاعدة معلقة، بل هو سبب مؤثر في الخارج. والفعل من حيث هو فعل لا ينفك عن تأثير ما؛ إذ الفعل الذي لا أثر له بوجه من الوجوه ليس فعلًا بالمعنى المقصود. فالفعل، بموجب تعريفه، انتقال من قوة إلى أثر، أو إحداث هيئة، أو ترتيب حال على حال، أو إيقاع نسبة بين فاعل ومفعول وقابل وسياق.
ومن هنا كان القول بأن الأفعال أسبابًا مؤثرة ليس دعوى زائدة على ماهية الفعل، بل هو لازم من تعريف الفعل نفسه. فالتعليم، بموجب تعريفه، إكساب علم أو محاولة إكساب علم. والضرب، بموجب تعريفه، إيقاع أثر بدني أو إيلامي. والصدق، بموجب تعريفه، مطابقة القول لما في نفس الأمر. والكذب، بموجب تعريفه، مخالفة القول لما في نفس الأمر مع قصد الإخبار. والعدل، بموجب تعريفه، وضع الشيء في موضعه وإعطاء الحق بحسبه. والظلم، بموجب تعريفه، وضع الشيء في غير موضعه أو أخذ حق غير مستحق.
فإذا كان الفعل كذلك، فإن له مقتضى بحكم تعريفه. وهذا المقتضى ثابت من حيث المعنى في كل العوالم الممكنة possible worlds؛ لا بمعنى أن أثره يقع بالفعل في كل ظرف، بل بمعنى أن ما به صار الفعل ذلك الفعل لا ينفك عن اقتضاء أثره. فالتعليم لا يكون تعليمًا إلا لأنه يقتضي إكساب العلم، والكذب لا يكون كذبًا إلا لأنه يقتضي فساد المطابقة والثقة، والعدل لا يكون عدلًا إلا لأنه يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه.
لكن الاقتضاء ليس علة تامة. فالأفعال في حق العباد تصدر عن فاعلين ناقصين، وتقع في محال ناقصة، وتدخل في سياقات تقبل الموانع والمعارضات وتركيب الأسباب. فقد يوجد مقتضى التعليم، ولا يحصل العلم لمانع في المتعلم، أو لضعف في المعلم، أو لفساد في السياق، أو لمعارضة سبب آخر. وقد يوجد مقتضى الدواء، ولا يحصل الشفاء لمانع في البدن أو لفساد في المزاج أو لعارض أقوى. فلا يقال حينئذ إن الدواء لا يقتضي النفع، ولا إن التعليم لا يقتضي العلم، بل يقال: هذا سبب ناقص تخلف أثره لمانع أو معارض أو فقد شرط.
وهكذا في الأفعال الأخلاقية. فالصدق يقتضي كمال البيان ومطابقة القول للواقع، لكن قد يدخل في سياق يفضي فيه إلى قتل بريء إذا أخبر الصادق ظالمًا بمكانه. والكذب يقتضي نقصًا في البيان وإفسادًا للمطابقة، لكن قد يدخل في سياق ضرورة فينغمر قبحه في دفع مفسدة أعظم. فطبيعة الفعل لها مقتضى، والحكم النهائي للمركب لا يكون إلا بعد اعتبار الشروط والموانع والمزاحمات والمآلات.
الكمال والنقص أصل الحسن والقبح
الأصل الميتافيزيقي للنظرية الأخلاقية شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم هي أن الكمال وجود، وأن النقص عدم محض أو وجود ناقص فيه عدم ما، وأن الاتصاف بغاية الكمال ملازم لذات الله سبحانه أزلًا وأبدًا في الذات وصفاتها وأفعالها، والتنزه عن كل نقص في كل ذلك كذلك.
فالحسن ملازم للكمال، والقبح ملازم للنقص. والفعل الحسن يكون صادرًا عن كمال متضمنًا لكمال، ومفضيًا إلى كمال. والفعل القبيح صادرًا عن نقص، ومتضمنًا لنقص، ومفضيًا إلى نقص وفساد.
ولهذا كان العلم حسنًا، لأن فيه كمال الإدراك. وكان التعليم حسنًا، لأنه صادر عن كمال العلم والقدرة على إفادته، ومفضٍ إلى كمال المتعلم، ويعود بالمدح على المعلّم، وكان العدل حسنًا، لأنه كمال في الوضع والإعطاء والحكم. وكانت الرحمة حسنة، لأنها كمال في الإحسان إلى من يناسبه الإحسان. وكان الظلم قبيحًا، لأنه نقص في الوضع والحكم، وفساد في العلاقة بين الحقوق وأصحابها.
ولا يعني هذا أن كل ما يسمى نفعًا فهو حسن بإطلاق، ولا أن كل ما يسمى ضررًا فهو قبيح بإطلاق. فالضرر قد يكون مستحقًا بموجب العدل، فيكون إيقاعه حسنًا. والنفع قد يكون غير مستحق أو مفضيًا إلى فساد، فيكون قبيحًا. فالعقوبة ضرر بالنسبة إلى المعاقب، لكنها خير من جهة العدل والردع ونصرة المظلوم. والإحسان إلى مجرم على وجه يعطل العدل ويمكّنه من الفساد قد يكون شرًا، وإن كان نفعًا له من وجه.
فالمعتبر إذن ليس النفع والضرر مجردين، بل النفع المستحق والضرر المستحق بموجب صفات الكمال لواهب كل حق لمخلوق سبحانه، والنفع المفضي إلى كمال، والضرر المفضي إلى عدل، وما يقابلهما من نفع فاسد أو ضرر ظالم.
كيف تتكوّن النظرة الأخلاقية في الابستمولوجيا الخارجانية الحسية
إذا كانت الأفعال أسبابًا مؤثرة في الخارج، وكانت آثارها من كمال ونقص ونفع وضرر واقعة في الحس الظاهر أو الحس الباطن، فإن المعرفة الأخلاقية تبدأ من الخارج. فالإنسان لا يولد وفي ذهنه جدول مفصل لكل القواعد، ولا يستمد الأخلاق من مثال مفارق معزول عن الواقع، بل يباشر العالم بالحس، ويرى الأفعال وآثارها، ويجد في نفسه اللذة والألم، والطمأنينة والاضطراب، والكرامة والمهانة، ويرى في الاجتماع صلاح العدل وفساد الظلم.
ثم إن العقل، بمقتضى ملكته، لا يقف عند الجزئيات المتفرقة، بل يستقرئ، ويقارن، ويميّز المتشابه من المختلف، وينتزع المعنى الكلي من تكرر الجزئيات. فيرى صورًا كثيرة من إعطاء الحقوق، فينتزع معنى العدل. ويرى صورًا كثيرة من وضع الشيء في غير موضعه وأخذ ما لا يستحق، فينتزع معنى الظلم. ويرى صورًا كثيرة من مطابقة القول للواقع، فينتزع معنى الصدق. ويرى صورًا كثيرة من إكساب العلم، فينتزع معنى التعليم.
فالكلي، في هذه النظرة، ليس موجودًا مفارقًا خارج الأعيان على طريقة المثل، ولا مجرد لفظ فارغ، بل هو معنى ينتزعه العقل من الخارج بعد ملاحظة الجزئيات وآثارها. فإذا انتزع العقل التعريف، أمكنه بعد ذلك أن يفرع عليه لوازم ضرورية. فإذا عرف التعليم بأنه إكساب العلم، علم أن التعليم يقتضي كمالًا في المتعلم من حيث هو تعليم. وإذا عرف الكذب بأنه إخبار بخلاف الواقع، علم أن فيه نقصًا في مطابقة البيان للواقع. وإذا عرف الظلم بأنه وضع الشيء في غير موضعه أو أخذ الحق من غير مستحقه، علم أن فيه فسادًا في نظام الحقوق.
وهنا يظهر الجمع بين الخارجية التي تمثلها الملكات الفطرية للإنسان والاستدلال والعمل العقلي. فالعقل يبدأ من الخارج، لكنه لا يبقى حبيس الجزئيات. يبدأ بالحس والاستقراء، ثم ينتزع الكليات والتعريفات، ثم يفرع عليها لوازم ضرورية. فليست الضرورة العقلية هنا سابقة على كل نظر في الخارج، ولا هي مجرد عادة حسية لا معنى لها، بل هي ضرورة ناشئة بعد ضبط المفهوم وتعريفه.
ولهذا قلنا إن كون الفعل مؤثرًا أثرًا ما لازم لتعريفه. فإذا ضبطنا معنى الفعل، وضبطنا مقتضاه، علمنا لوازمه. لكن وقوع الأثر بالفعل في الأعيان يتوقف على الشروط وانتفاء الموانع. فاللزوم التعريفي شيء، وتحقق الأثر الخارجي على وجه التمام شيء آخر.
القبيح لذاته ولغيره والحسن لذاته ولغيره
من تمام هذا التصور أن الفعل قد يكون قبيحًا لذاته حسنًا لغيره. وليس في هذا تناقض؛ لأن القبح الذاتي هنا معناه أن ماهية الفعل بمعنى طبيعته ومقتضاه الأولي يشتملان على نقص أو مفسدة. أما كونه حسنًا لغيره فمعناه أن هذا الفعل دخل في مركب أوسع من قصد وسياق وضرورة ومآل، فغُمر مقتضى قبحه بمقتضى حسن أرجح.
فالكذب قبيح لذاته؛ لأنه إخبار بخلاف الواقع، وفيه نقص في مطابقة القول للحقيقة وإفساد لأصل الثقة. لكن إذا تعين الكذب لإنقاذ بريء من ظالم يريد قتله، صار الفاعل بين قبيحين: إما الكذب، وإما تسليم البريء للقتل. وحينئذ يكون الكذب أدنى القبيحين، ويكون فعله في تلك الحال أكمل من الصدق الذي يفضي إلى قتل البريء.
فلا يقال إن الكذب صار كمالًا في ذاته، ولا إن قبحه انعدم من كل وجه، بل يقال: بقي فيه مقتضى القبح من جهة ماهيته، لكن هذا المقتضى سبب ناقص، وقد غلبه مقتضى حسن أعظم، وهو إنقاذ البريء ودفع القتل. فالحكم النهائي لا يقع على الفعل مجردًا، بل على المركب الواقعي الكامل.
وهذا يفسر قول ابن تيمية في نحو هذه المعاني إن الفاعل قد يلزمه أحد قبيحين، فيترك أعظمهما بالتزام أدناهما. كما يفسر تقريره في اجتماع المحرمين أنه إذا لم يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في تلك الحال محرمًا في الحقيقة، وإن سمي محرمًا باعتبار الإطلاق. راجع: مجموع الفتاوى (20/ 57)
النية الحسنة كمال نافع لا يناقض العواقبية
النية معتبرة عند شيخ الإسلام بخلاف العواقبية الكلاسيكية الساذجة التي لا تعتبر إلا العاقبة أي ما يأتي بعد الفعل لا قبله؛ لأنها جهة كمال في الفاعل. فالفاعل الذي يفعل فعلًا ناقصًا من حيث نوعه لدفع شر أعظم ليس كمن يفعله عبثًا أو عدوانًا أو حبًا للفساد. والنية الحسنة تكشف أن الفاعل لم يقصد النقص لذاته، بل قصد الخير الممكن بحسب قدرته وضرورته وهذا يحبه الرب سبحانه ويثيب عليه.
ومع ذلك، فالنية ليست وحدها كافية في تصحيح كل فعل. فقد يريد المرء خيرًا، لكنه يسلك طريقًا لا يفضي إلا إلى فساد. فالنية جزء من المركب الأخلاقي، لا بديل عن النظر في ماهية الفعل ومآله. وهي معتبرة من جهتين: من جهة كونها كمالًا في الفاعل، ومن جهة أثرها في تركيب الفعل وسياقه، ومن جهة الثواب الأخروي؛ إذ الله يحب القصد الصالح ويثيب عليه.
فالفعل الحسن في صورته الكاملة يجمع بين منشأ حسن، وفعل مناسب بطبيعته أو في سياقه، ومآل راجح. ولا يجوز للإنسان ارتكاب الفعل القبيح المحرم، إلا إذا كان لضرورة أو تزاحم، ومع قصد حسن، ومآل أرجح.
الشرع كاشف عن قبح وحسن الأفعال
من أدق ما يقرر به ابن تيمية مذهبه تفريقه بين الإيجاب والتحريم من جهة خطاب الله، وبين علة الوجوب والحرمة في نفس الأمر من جهة صفة الفعل، فنحن قد نعلم وجوب الفعل أو حرمانيته من جهة الخطاب، لكن الله علم حسن الفعل وقبحه من جهة حقيقته التي خلقها سبحانه ولذلك كانت الحكمة في تحريمه أو إيجابه على المكلفين.
وهذا التفريق يقرر أن الشرع يثبت حكم الفعل، وأن صفة الفعل قد تكون ثابتة قبل وصول الخطاب بذلك. فقد يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم وأن الظلم مشتمل على فسادهم. فهذا النوع حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع.
فعل العبد وفعل الرب
من أعظم ما يميز هذا التصور التفريق بين فعل العبد وفعل الرب. فالعبد خُلق ناقصًا، ويكمل بأفعاله ويصلح بها. لذلك يقال إن العبد يكتسب بأفعاله صفات وأسماء حادثة؛ فيصير عالمًا بعد أن يتعلم، ويصير عادلًا بعد أن يعدل، ويصير صالحًا بعد أن يعمل الصالحات.
أما الله سبحانه، ففعله وصنعه عن كماله وجلاله. أفعاله صادرة عن أسمائه وصفاته، لا أنه يفعل ليستكمل أو ليزول عنه نقص. فهو كامل أزلًا، وأفعاله آثار كماله، لا أسباب كمال حادث له، إلا أنه يستحق المديح والثناء على أفعاله، ولا يفعل إلا ما يكون كذلك.
ومن هنا ضلت القدرية حين قاسوا أفعال الله على أفعال العباد، فظنوا أن ما حسن من العبد حسن من الله مطلقًا، وما قبح من العبد قبح من الله مطلقًا. ولم يلحظوا أن أفعال العباد تحسن لإفضائها إلى صلاحهم وكمالهم، وتقبح لإفضائها إلى فسادهم ونقصهم، أما الله فمتعالٍ عن أن يلحقه صلاح حادث أو فساد أو نقص.
وهذا لا يعني أن أفعال الله بلا حكمة، بل يعني أن حكمتها تليق بكماله وألوهيته وربوبيته، وأنها لا تقاس على أفعال العباد قياس تمثيل يستوي أفراده في الكيفيات. فهو يفعل بحكمة، لكن لا يفعل ليستكمل. وهو يخلق لحكمة، لكن لا تلحقه منفعة محتاج إليها، ولا يدفع عن نفسه مضرة تلحقه.
قاعدة الأكملية والأمر الشرعي
إذا تقرر أن الله كامل أزلًا، وأن الكمال محبوب له، وأن الحسن من الكمال، كان الأمر الشرعي به صادرًا عن حكمة وكمال، لا عن محض إرادة اعتباطية. فالله يأمر العباد بما فيه كمالهم وصلاحهم، وينهاهم عما فيه نقصهم وفسادهم.
لكن كمال العبد ليس كمالًا مطلقًا، بل كمال بحسب طاقته وسياقه. فالعبد قد يقدر على الأكمل الأعلى، وقد لا يقدر إلا على كمال أدنى، وقد تتزاحم عليه المصالح والمفاسد. فحينئذ لا يطالَب بالممتنع، بل يطالَب بأكمل الممكنات في حقه.
ومن هنا كان ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما من تمام الكمال الممكن، لا خروجًا عن الأخلاق. فالعبد الناقص قد لا يقدر على تحصيل الخير إلا بطريق يداخله نقص من وجه، فيكون كماله في قصد الخير الراجح وفعل الممكن الأحسن.
أما الله فلا يقال في حقه إنه يضطر إلى قبيح لذاته ليحصل حسنًا لغيره، لأن هذا إنما يعرض للعبد من جهة نقصه وعجزه وتزاحم الأسباب في حقه. وأما الله فأفعاله صادرة عن كماله، ولا يقوم بذاته نقص البتة.
مشكلة الشر بين فعل الله ومفعوله
تظهر ثمرة هذا التأصيل في مشكلة الشر. فكثير من الاعتراضات إنما تنشأ من الخلط بين فعل الله القائم بذاته، وبين مفعوله المخلوق في الخارج. ففعل الله كله كمال، لأنه صادر عن كماله وعلمه وحكمته وإرادته. أما بعض مفعولاته فقد تكون شرًا بالنسبة إلى بعض المخلوقات من جهة مخصوصة.
فالعقوبة مثلًا شر بالنسبة إلى المعاقَب من جهة الألم، لكنها خير من جهة فعل الله؛ لأنها عدل، والعدل كمال. وهي خير من جهة إقامة الحق، وردع الظالم، وإنصاف المظلوم، وحفظ النظام. فوجود ألم في المفعول لا يستلزم نقصًا في فعل الفاعل.
ومن هنا لا يصح أن يقال إن المسلمين يثبتون لله نظير ما يثبته النصارى في قولهم إن الإله لا يغفر إلا بأن ينزل عليه الأذى والصلب لمجرد إقرارهم بأنه يخلق الشر لحكمه. فالفرق أن المسلمين لا يقولون إن الله يحقق الكمال بنقص يقوم بذاته، بل يقولون إن أفعال الله كاملة، وإن ترتب على بعض مفعولاتها شر نسبي داخل في حكمة وخير أرجح.
أما القول بأن الإله لا يقدر أن يغفر إلا بأن يلحقه الأذى والنقص، فهو نقص في القدرة. والقول بأنه يقدر على المغفرة بلا ذلك ولكنه لا يفعل إلا بهذه الصورة، يجعل وقوع النقص على ذاته بلا ضرورة حقيقية. والقول بأن الكمال لا يتحقق إلا بقيام النقص بالذات الإلهية جمع بين المتنافيين؛ لأن الكمال الذي لا يتحقق إلا بنقص في الذات ليس كمالًا.
الإرادة الكونية والشر النسبي
لا يصح أيضًا أن يقال إن الله يخلق فاعلين يعلم أنهم سيفعلون الشر، مع أنه لا يريد وقوع الشر لا شرعًا ولا كونًا، ثم ينسب إليه تمام الحكمة والقدرة. فإن كان عالمًا بأسباب الشر، قادرًا على ألا يخلقها، ومع ذلك خلقها، لم يصح أن يقال إن الشر وقع خارج إرادته الكونية.
والتفريق الصحيح أن الله لا يحب الشر شرعًا، ولا يأمر به، ولا يرضاه دينًا، لكنه قد يريده كونًا لحكمة راجحة. فإرادته الكونية لا تعني محبته الشرعية، ووقوع الشيء في ملكه لا يعني أنه محبوب له لذاته.
وقد تكون بعض المعاني الحسنة لا تتحقق إلا بوجود ما يقابلها. فنصر المؤمنين على الظالمين لا معنى له إلا بوجود ظالمين. والصبر لا معنى له إلا بوجود بلاء. والعفو لا معنى له إلا بوجود إساءة. والتوبة لا معنى لها إلا بوجود ذنب. والعدل في العقوبة لا معنى له إلا بوجود جناية.
فليس الامتناع هنا عجزًا في القدرة، بل امتناع في المعنى. فإن تحقق النصر بلا مغلوب ليس نصرًا، وتحقق العفو بلا إساءة ليس عفوًا، وتحقق الصبر بلا بلاء ليس صبرًا. والقدرة لا تتعلق بالممتنع؛ لأن الممتنع ليس شيئًا.
فالله يظهر كماله بكماله، وبعض كماله يظهر بإظهار الخير من خلال شر نسبي في المفعولات، لا بقيام نقص في ذاته سبحانه.
الضرر والنفع المستحق وغير المستحق
إذا كان الفعل الحسن هو ما صدر عن كمال وأفضى إلى خير، فلا يلزم أن يكون كل إضرار قبيحًا ولا كل إحسان حسنًا. فإضرار من يستحق العقوبة خير إذا كان مقتضى العدل، والإحسان إلى من يستحق العقوبة قد يكون شرًا إذا أدى إلى تعطيل الحق وتمكين الفساد.
فالضرر المستحق داخل في الخير من جهة كمال العدل. والعقوبة قد تكون ألمًا للمجرم، لكنها خير من جهة إقامة الحق ونفع المجتمع وردع المعتدي. وكذلك النفع غير المستحق قد يكون قبيحًا إذا كان تمكينًا لظالم أو إهدارًا لحق مظلوم.
ولهذا لا بد في الحكم الأخلاقي من اعتبار الاستحقاق. فليس الميزان مجرد نفع وضرر، بل نفع مستحق أو غير مستحق، وضرر مستحق أو غير مستحق، ثم النظر في ما يفضي إلى كمال أو نقص، وإلى صلاح أو فساد.
موقع هذا المذهب من الواجبية والعواقبية
بعد هذا المسار يمكن الانتقال إلى التسمية والتصنيف، المقصود أن نستخلص من مجموع الأصول السابقة موقع هذا المذهب من خرائط الأخلاق الحديثة. وبناءً على ما تقدم، يظهر أن هذا المذهب ليس واجبية مثالية Classical Deontology، لأنه لا يجعل القاعدة صحيحة بمعزل عن الواقع والسياق والعاقبة. وليس عواقبية نفعية مجردة Utilitarian Consequentialism، لأنه لا يجعل كل حسن تابعًا لمجرد النتيجة الحسابية. وليس أمرية إلهية اعتباطية Divine Command Theory بالمعنى الذي يجعل الأمر بلا حكمة مفهومة ولا صفة للفعل.
بل هو مذهب يقرر أن الفعل له حقيقة ومقتضى وأثر، وأن الفعل الحسن راجع إلى كمال في الفاعل، وأن الفعل القبيح راجع إلى نقص في الفاعل، فما كان فعلا صادرًا عن كمال فلابد أن مآله خير والعكس صحيح، وأن العاقبة ليست أمرًا خارجيًا طارئًا على الفعل، بل هي امتداد لمقتضاه السببي إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه في حال كان الفاعل ناقصًا وإلا فأفعال الله تامة لا ينازعه فيها غيره سبحانه، ثم إن الشرع يكشف ويضبط ويرجح ويلزم، لأن علم الإنسان محدود، وعلم الله محيط بحقائق الأفعال ومآلات الأسباب.
فإذا أردنا، بعد إقامة هذه المقدمات، تقريبه إلى المصطلحات الحديثة قلنا: هو عواقبية مرنة Moderate Consequentialism من جهة اعتبار العاقبة والمصلحة والمفسدة، وواقعية أخلاقية غائية Teleological Moral Realism من جهة إثبات صفات واقعية في الأفعال، وخارجانية Externalism من جهة رد الحسن والقبح إلى واقع الفعل وآثاره المعلومة بالحس أو الخبر المسند إلى الواقع لا إلى مثال مفارق، وكمالية Perfectionism من جهة جعل الحسن ملازمًا للكمال والقبح ملازمًا للنقص. فهو هو مركب من أنطولوجيا الكمال والنقص، وإبستمولوجيا الحس والاستقراء والفطرة، وشرعية الوحي والإلزام والمؤاخذة.
خاتمة
خلاصة هذا التصور أن الأخلاق ليست معلقة في عالم مثالي منفصل عن الواقع، ولا ذائبة في حساب نفعي مجرد، ولا ناشئة عن أمر اعتباطي بلا حكمة. بل الأفعال في الخارج أسباب مؤثرة، لها مقتضيات وآثار، ويظهر فيها كمال أو نقص، ونفع أو ضرر، وصلاح أو فساد. والعقل يدرك بعض ذلك بالحس والفطرة والاستقراء، ثم ينتزع الكليات والتعريفات، ويفرع عليها لوازمها، غير أنه لا يستقل بجميع التفاصيل والمآلات.
والشرع يأتي كاشفًا ومتممًا ومرجحًا وملزمًا، لأنه صادر عن علم الله وحكمته. فالله كامل أزلًا، وأفعاله آثار كماله، لا أسباب كمال حادث له. والعبد ناقص، يكتسب بأفعاله كمالًا أو يزداد بها نقصًا. ومن هنا كان الفعل الحسن ما نشأ عن كمال أو تضمنه أو أفضى إليه، وكان الفعل القبيح ما نشأ عن نقص أو تضمنه أو أفضى إليه، مع اعتبار السياق والمآل والاستحقاق.
والقبيح لذاته قد يكون حسنًا لغيره لا لانقلاب ماهيته بل فقط إذا كان مقتضى قبحه سببًا ناقصًا غلبه مقتضى حسن أرجح، كما في ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. والشر في المفعولات لا يستلزم نقصًا في فعل الله؛ لأن فعل الله قائم بكماله، وبعض مفعولاته قد تكون شرًا نسبيًا داخلة في حكمة وخير أرجح.
وعلى هذا، يكون موضع النظرية في خريطة الفلسفات الأخلاقية كما انتهى إليها البحث: مادية كمالية سببية حسية خارجانية نفعية منضبطة بالشرع. فهي مادية لأنها تنطلق من الخارج إلى الذهن، كمالية لأنها تجعل الحسن ملازم للكمال الوجودي، سببية لأنها ترى الأفعال كأسباب مقتضية أو تامة، حسية خارجانية لأنها ترى أن الإنسان يملك فطرة عقلية أن ينتزع المفاهيم الأخلاقية من الحس وهو موجه فطريّا نحو ذلك بلا تعليم، ونفعية بمعنى غائي لا حسابي لأن المآل والخير والضرر معتبرة في الحكم، وشرعية لأن الوحي هو الكاشف الأتم والمرجح الأعلى والملزم الذي لا تتم المؤاخذة الأخروية إلا به.