الغيث الشامي

الاستقراء التجريبي بين المنهج العلمي الإسلامي والمنهج الدهري

الاختلاف في فهم الاستقراء وحدوده وما ينبني على الخلاف

الاستقراء التجريبي بين المنهج العلمي الإسلامي والمنهج الدهري
 
 
ذكرتُ سابقًا أن «الاستقراء» أصبح معنىً مشتركًا مجملًا؛ لأن مذاهب الناس في فهمه وتطبيقه قد تشعّبت واختلفت.
يمكن فهم الخلاف في الاستقراء عبر استعارة تشبيه باس فان فراسن بين نموذجين قانونيين: في أحدهما يكون الأصل الإباحة ما لم يأتِ مانع، وفي الآخر يكون الأصل الحظر ما لم يأتِ إذن.
بمعنى: أن هناك استقراء يبدأ من الإذن الافتراضي في التعميم، ثم ينتظر النقض (التكذيب)؛ واستقراء يبدأ من المنع المعرفي، ثم لا يوسّع الحكم إلا بقدر ما يأذن به الدليل ويتسع الاستقراء في محل وسياق مقيد.
ولا يرجع الفرق بين النموذجين إلى أن أحدهما وحده يقوم على التمثيل، أو على قياس الجزئي على الجزئي لاشتراكهما في موجب الحكم؛ ولا إلى أن أحدهما، دون الآخر، ينتقل من جزئيات متماثلة إلى قضية كلية تبيّن وجه التماثل بينها؛ فكل استقراء لا ينفك عن ذلك. وإنما الفرق في فهم حدود هذا التمثيل، والمسمّى النوعي للأفراد، ولوازمه العادية والضرورية، ومقدار ما يسمح به الدليل من توسيع الحكم.
ولهذا فكلا النموذجين يعملان ويحققان الفائدة العملية في حدود الشاهد
لكن الاستقراء المتوسّع Permissive / Unrestricted Induction يميل إلى اتخاذ طابع كوني؛ إذ يتعامل مع الكلي كأنه معنى مستقر مغلق، ثم ينقل ما ثبت في بعض أفراده إلى الاسم الكلي كله، ما لم يظهر مانع. ومن هنا ينشأ خطر تحويل الحكم المحلي إلى حكم مطلق، وتوسيع الخاصية النوعية حتى تبدو لازمة لطبيعة الأشياء الداخلة في المسمّى، كأن الواقع كله متجانس على النمط نفسه في أنحاء الزمان والمكان.
أما الاستقراء المنضبط Constrained / Evidence-Licensed Induction فيأخذ ابتداءً طابعًا محليًا وسياقيًا؛ فهو يثبت الحكم في موضعه ونوعه وشروطه، ثم لا يوسّعه إلا بقدر ما يتسع الشاهد الاستقرائي، وتطّرد العلة، وتثبت صلاحية التوسعة من سياق مقيد إلى سياق أكثر اتساعًا. ولذلك لا تكون المشكلة في أصل الاستقراء، بل في منحه من السعة واللزوم أكثر مما يحتمل الدليل.
وعلى هذا يظهر إشكال التجانس Uniformity؛ فليس الإشكال في تجانس نوعي سياقي Type-and-Context-Relative Uniformity، كأن يثبت حكم لنوع معين في سياق وشروط مخصوصة، بل في تحويل هذا التجانس المحدود إلى تجانس كوني مطلق Cosmic / Unrestricted Uniformity، كأن الواقع كله ملزم بأن يجري على ما ظهر لنا في مجال جزئي من التجربة.
ومن هذه الجهة يتوجه نقد هيوم إلى الاستقراء المتوسّع لكونه فهم الاستقراء أصلًا على أنه عمل ذهني غير مبني على استقراء النظام السببي المحلي بل هو مجرد تصرف عقلي اعتباطي لطرد كوني للتماثل بين بعض الأفراد فحكم على هذا التصور بأنه لا أساس عقلي أو واقعي لهّ فبناء عليه أنكر السواغية المبررة معرفيا للانتقال الاستقرائي من الماضي إلى المستقبل، أو من الشاهد إلى الغائب.
ومن هنا يمكن فهم نموذج كارل بوبر البديل عن الاستقراء. فهو لما وافق هيوم في عدم معقولية الاستقراء بنموذجه الكوني الموسع ورأى أن هذا معنى الاستقراء أصلًا في نظره، اخترع مفهوم قابلية التكذيب وهو فعليّا مجرد إعادة صياغة حذرة للاستقراء الموسع نفسه (كل شيء مباح حتى يرد المعارض أو "المكذّب"، فهو لا يبني الحكم الكلي تدريجيًا من تراكم الشاهد وقوة التعضيد Confirmation / Inductive Support، بل يسمح مبدئيّا بطرح فروض كلية جريئة كونيّا بلا دليل Bold Conjectures، ثم يعرضها لمحاولات التكذيب Falsification. ولذلك لا يحل بوبر مشكلة الاستقراء بقدر ما يحاول الاستغناء عن منطق التعضيد بتكرار مشاهدة الجزئيات واستبداله بمنطق التكذيب، وهذا كما هو واضح مخالف للعمل العقلي الطبيعي الفطري في الاستقراء وعمليا لا ينفك الباحثين عن التعضيد بالمشاهدة كيف وأصلًا يفترض أنهم عاملون في حقل يسمى "العلم التجريبي" الذي يفاخر بأنه يبني كل مافي جعبته على الحس والرصد.
أما الاستقراء المنضبط Constrained / Evidence-Licensed Induction فلا يبدأ من حق معرفي مبدئي في التعميم الكوني، بل من توظيف أداتي حذر له، مع تواضع معرفي يمنع الجزم بما يتجاوز حدود الاستقراء والسياق. لذلك يقيّد الحكم بموضعه: نوعًا، وسياقًا، وشرطًا، ولا يختزل الكلي في نوع فرعي واحد، بل يفهمه بوصفه معنى قابلًا للتفريع بحسب وجوه الشبه والاختلاف. ومن ثم لا يجعل الحكم العادي الثابت في بعض الأفراد حكمًا على الكلي كله بحيث يمتنع تخلفه، بل يعلّقه بالنوع الذي ظهر فيه، والسياق الذي وقع فيه، والشروط التي صحبته، حيث ثبت اطراد العلة.
فمضمونه أن الواقع يكشف عن أنماط تتكرر فيها آثار معينة بدرجات من الثبات في سياق نظام سببي معين أو بيئة معينة أو كوكب معين لتوفر هذا النوع من الجزئيات المتشابهة في نفس علة الحكم فيه.
فالمعرفة الخارجية ليست في مجرد إدخال الفرد تحت اسم كلي، بل في اكتشاف أن هذا النوع، في هذا النظام السببي، وتحت هذه الشروط، يغلب أن ينتج عنه هذا الأثر.
وهذا أيضًا يخالف الاستعمال الآرسطي للاستقراء، فعندما تتحول الاستقرائات إلى قضايا شمولية جامدة عقيمة لا تقبل التكيف مع الواقع المتغير وسياقاته وشروطه يصبح الاستقراء بهذا المعنى نفسه إما مانع من موانع التقدم العلمي التجريبي، أو منتج للخرافات عن الغيب لمجرد أنه يعمل في الشاهد.
يحضرني هنا هذا النقل الذي يبين أن تصور هذا الامتياز كان حاضرًا بصورة من الصور في التراث الإسلامي سابقًأ:
«قال أبو سليمان الخطابي: اعلم أن الطب ينقسم قسمين قسم يسمونه القياسي وهو طب اليونانيين بقراط وجالينوس ومن سلك طريقهما وطب آخر وهو مذهب الهند وكثير من العرب وهو لا يستعملون القياس ولا يعتبرون الأصول وانما يعتمدون على الامتحان والتجربة في آحاد الأعيان ويحتجون أن لبعض الطباع خاصية ليست لغيرها وللعادات تأثير على الأبدان في الأهوية والبلدان اختلافا كثيرا يتغير باختلافها بعض الأحكام والقياس يستمر على وصف مطرد لا يختلف. وإني تأملت أكثر ما يصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الداء، فإنما هو على مذهب العرب، إلا ما خص به من العلم النبوي الذي طريقه الوحي، فإن ذلك فوق كل ما يدركه الأطباء أو يحيط بحكمه الحكماء والألباء»
«فإن الطب ينقسم إلى مذهبين: الطب القياسي وهو مذهب اليونانيين وطب التجارب وهو مذهب العرب.»
ابن الجوزي — لقط المنافع في الطب
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"العادة التي هي من جنس قياس التمثيل لما يعلمونه من الحكم الكلى لا فرق بينه وبين قياس الشمول وقياس التمثيل وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو أيضا حكم كلى.
وإن قيل أن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه القوة وأن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إذا قيل أنه صحيح قيل أنه لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه وإن كان هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص ومعلوم أن كل من قال أن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ فانه لا بد من كون المحل قابلا للإحراق إذ قد علم أنها لا تحرق كل شيء كما لا تحرق السمندل والياقوت وكما لا تحرق الأجسام المطلية بأمور مصبوغة وأما خرق العادة فمقام آخر. ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها"
- الرد على المنطقيين
والخلاصة أن النزاع ليس بين قبول الاستقراء ورده، بل بين استقراء كوني النزعة يبدأ بالإذن في التعميم ثم ينتظر المانع، واستقراء محلي النزعة يبدأ بتقييد الحكم ثم لا يوسّعه إلا بقدر الدليل. الأول يوسّع الخاصية النوعية حتى يجعلها قريبة من اللازم الكلي، وقد ينزلق من النجاح المحدود للتعميم إلى دعوى المطابقة الكونية الشاملة. أما الثاني فيصعد من الجزئي إلى النوعي، ثم إلى المجال الأوسع بحذر، مع بقاء الحكم مشروطًا بقوة الشاهد وحدود العلة والسياق، فلا يمنح النموذج من الالتزام الأنطولوجي Ontological Commitment أكثر مما يسمح به الدليل.