أولًا: تحرير الأصل الذي ينبني عليه البحث
السببية، في محلّ هذا النظر، ليست مجرّد اقترانٍ بين شيئين، ولا مجرّد تعاقبٍ مشاهد بين حادثتين، بل هي التأثير الإحداثي؛ أي كون شيءٍ ما مبدأً لإحداث شيءٍ آخر بعد أن لم يكن.
وعلى هذا، فالكلام ليس في سببٍ ناقص، ولا في شرطٍ ممهد، ولا في علة إبقاءٍ تحفظ الموجود بعد وجوده، بل في التأثير من حيث هو إحداثٌ للمعلول.
وهذا التأثير، إذا أُريد له أن يكون واقعًا لا مجرد اعتبارٍ ذهني، فلا بد أن يُبحث أولًا: هل يكفي في حضوره أن يكون حضورًا صفريًا، أم لا بدّ له من قدرٍ زماني موجب؟
ثانيًا: حضور التأثير في الواقع
حضور التأثير لا يخلو من أحد وجهين:
- إما أن يكون حضورًا صفريًا، أي لا يبقى أي قدرٍ من الزمان.
- وإما أن يكون حضورًا ذا مدة موجبة، أي يزيد على الصفر ولو بأدنى قدر.
فإن قيل بالأول، وهو أن التأثير يحضر حضورًا صفريًا، قيل: الصفر ليس مدةً، بل نفي المدة. وما لم يحضر أي قدرٍ من الزمان، لم يحضر بوصفه فعلًا واقعًا، بل غايته أن يكون حدًّا ذهنيًا أو نقطة ابتداء، لا فعلَ تأثيرٍ قد تحقق.
ولا يقال: إن الشيء إذا وُجد في اللحظة صفر فقد حضر في الواقع؛ لأن هذا صحيح من وجهٍ واحد، وهو أن اللحظة الأولى مبدأ الحضور، لا أنها تمام الحضور. فالابتداء لا يكون ابتداءً إلا لامتدادٍ ما، وإلا كان ابتداءً للاشيء.
فإن قيل: وُجد في اللحظة صفر وانعدم في اللحظة صفر نفسها، لزم اجتماع الوجود والعدم في حدٍّ واحد.
وإن قيل: وُجد في اللحظة صفر ثم انعدم بعدها، فقد ثبت له امتداد زائد على الصفر؛ لأن نقطة الوجود غير نقطة العدم.
فالنتيجة أن الحضور الصفري لا يصلح أن يكون تمام وجود التأثير، بل أقصاه أن يكون طرف ابتداءٍ لحضورٍ ممتدّ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخياً عنه، كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير - درء تعارض العقل والنقل (3/ 64)
فإن ثبت أن حضور التأثير لابد له من زمن (مدة) هي زمن التأثير، وزمن التأثير نفسه لابد له من بداية ونهاية لاستحالة اجتماعهما في نقطة واحدة، كانت نقطة نهاية زمن التأثير هي تمامه، إذ لا معنى أن يوجد الأثر مع بقاء وجوده وإلا كان تحصيلًا للحاصل، ولا قبلها إذ لا يسبق الأثر مؤثره وإلا لزم الدور، فلم يبق إلا أن يوجد عقبه.
ثالثًا: اعتراض النقاط المتعاقبة غير القابلة للقسمة
قد يقال: إن فرض وجود "زمن التأثير" هو فرض مدة، والمدة هي ما يقبل القسمة، وهذا مصادرة، إذ يمكن فرض نقطة زمانية تالية للنقطة الأولى لا تقبل القسمة، كما أن للجسم الممتد حدًا، ثم يليه أول موضع خارج عنه ملاصق له، ولا توجد بينهما مسافة ثالثة قابلة للقسمة، ومع ذلك فهما متغايران.
والجواب: أن هذا الاعتراض يثبت المطلوب ولا ينقضه؛ لأنه أثبت التغاير والتعاقب. فإذا كانت هناك نقطة أولى ونقطة تالية، فقد خرجنا عن الصفر المحض؛ لأن الصفر المحض لا يميز بين نقطتين.
أما عدم القسمة فليس هو عدم المقدار. فإن كان بين النقطتين تغاير حقيقي، فقد ثبت قدرٌ زائد على الصفر، سواء سُمّي قابلًا للقسمة أو غير قابل. وإن لم يكن بينهما أي قدر زائد على الصفر، لم يكن هناك تغاير حقيقي أصلًا.
فالحدّ بين شيئين ليس شيئًا ثالثًا مساويًا لهما، لكنه مأخذ التمييز بينهما. ومتى ثبت التمييز، ثبت أن الكلام لم يعد في صفرٍ محض.
رابعًا: امتناع بقاء التأثير بعد حصول المعلول
إذا ثبت أن التأثير الإحداثي لا يكون صفريًا محضًا، بل لا بد له من حضورٍ ما، بقي أن يقال: هل يبقى هذا التأثير بعد وجود المعلول؟
والجواب: إن أُريد ببقائه أنه يستمر في إيجاد المعلول بالمعنى نفسه الذي به أُحدث أولًا، لزم إيجاد الموجود، وهذا تحصيل حاصل؛ لأن الشيء بعد أن صار موجودًا لا يحتاج إلى إيجادٍ ابتدائي آخر بالمعنى نفسه.
ويجدر بنا بيان أن البقاء ليس هو إلا استمرار أو دوام الوجود وليس أمرًا ثبوتيّا زائدًا على ذلك: يقول شيخ الإسلام في بيان ذلك:
"الوجود غني عن وجوده والقديم عن قدمه ونحو ذلك.
فإن قال هم يقولون عالم بعلم ولا يقولون موجود بوجود ولا باق ببقاء ولا قديم بقدم.
قيل منهم من يقول ذلك ومنهم من لا يقول به ويفرق بأن نفس الذات القديمة الباقية إذا قدرت غير قديمة ولا باقية لم يرجع الخلاف في ذلك إلى معنى ثبوتي قام بها فإن البقاء هو الدوام والشيء الباقي إذا قدر أنه لم يتغير فحاله مع البقاء ودونه سواء بخلاف العلم والقدرة فإن الذات العالمة القادرة إذا قدر أنها غير عالمة ولا قادرة علم ذلك اختلاف حالها في نفسها بتقدير عدمه ليس هو مجرد نسبة وإضافة كالبقاء ونحوه." -درء تعارض العقل والنقل» (5/ 42)
فالتأثير الإحداثي لا يجوز أن يبقى بعد حصول المعلول من حيث هو إحداث ابتدائي؛ بل ينتهي عند الحدّ الذي يبدأ منه وجود المعلول.
ومبحث علة الإبقاء غير مبحث إكساب الوجود الذي هو أصل البقاء، فعلة الإبقاء هي كل ما به الشيء يبقى وهي ليست علة فاعلة لأن العلة الفاعلة الوجودية المؤثرة إما أن تؤثر بإيجاد أو إعدام والفرض أن الشيء موجود فلا معنى لإكسابه وجود ولا عدم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "التأثير لا يكون إلا في حادث" درء تعارض العقل والنقل - (5/105)
فلم يبق إلا أن يكون الإبقاء هو إكساب الموجود المستمر ما به يتقوى على دفع ما يضاد وجوده فيملك ما به يدفع أسباب الفناء عن نفسه، أو أن علة الإبقاء نفسها تمنع موانع وجود الشيء حال بقائه، وهذه العلة المانعة لكل ما يؤثر في الوجود فيفنيه، لابد أنها وجودية لأن العدمي لا يمنع ولا يؤثر في شيء أصلًا، فلا معنى أن يترتب العدم الحادث الطارئ على شرط عدمي غير مؤثر في شيء أصلًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"في مثل قوله {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا} فاطر 41 وقوله {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} الروم 25 وقوله {رفع السماوات بغير عمد ترونها} الرعد 2 وهذا الإبقاء يكون بالرزق الذي يمد الله به المخلوقات" - درء تعارض العقل والنقل (3/ 127)
ويقول:
"وأما فقر المخلوقات إلى الله: بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به. فهذا: أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله سبحانه الملك والحمد. وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأشياء إلى محدثها، وكذلك حاجتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق." - مجموع الفتاوى (1/ 46)
وعليه، فلا تتوهم أن افتقار المخلوق حال الحدوث هو نفس مأخذ افتقاره حال البقاء، إذ ما افتقر له حال الحدوث هو أن يخلقه الله ويوجده (يكسبه الوجود الذي هو بداية البقاء): "فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه لهم - الصفدية (2/ 190)" ولكن بعد أن يرزق الله المخلوق الوجود، يحتاجه في ما يزيد عما أعطاه إياه بالفعل، من أنواع الحفظ والرزق والهداية والرحمة وكل ما يحتاجه حال وجوده، فثم فرق بين استمرار الافتقار الفاعل وهو الله، وبين استمرار الافتقار إلى نفس الفعل الذي به خلق المخلوق أول مرة بعد الفراغ من خلقه!، يبينه قول شيخ الإسلام:
"وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان، فإن هذا لا بد منه، وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان، فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول، الذي هو الأثر. - درء تعارض العقل والنقل (3/ 64)"
فثم ما يسبق المفعول وهو نفس فعله فلا يجتمعان في الزمان إلا لحظة تمام تأثير هذا وانتهائه وبداية وجود هذا واكتماله، ثم بعد ذلك يبقى الافتقار لنفس الفاعل ولأفعال أخرى تصدر عنه يؤثر بها تأثيرًا آخر لا يستلزم تحصيل الحاصل وفي هذه الحالة هو الله سبحانه، فالفقر الذاتي في المخلوق مستمر مع ذاته الباقية وعلة الفقر الثبوتي الموجود في المخلوق هو نفس علة ذاته الموجودة في الخارج فلا يزول منها بعد الحدوث كما لا تزول منها سائر صفاتها الذاتية كما لا يزول منها البقاء نفسه! إلا إذا قدرنا عدمها بالكلية، فإن الذاتي لا يزول إلا بزوال الذات.
والوجه الثاني
أن يقال: إننا أثبتنا أن البقاء من لوازم الوجود الذاتية والذاتي لا يعلل بغير علة فعل وإحداث نفس الذات ونفس إحداثها وإيجادها هو نفس إحداث وإيجاد لوازمها ولا معنى لتحصيل اللوازم بعد إيجاد الذات ولا أن تحصل اللوازم الذاتية بغير علة الذات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"فإن الخالق إذا خلق الشيء فلا بد من خلق لوازمه فإن وجود الملزوم بدون وجود اللازم ممتنع ولا بد من ترك خلق أضداده التي تنافيه فإن اجتماع الضدين المتنافيين في وقت واحد ممتنع" - مجموع الفتاوى (8/ 512)
ولو قدرنا أن البقاء ليس ملازمًا للوجود الحادث للزم إمكان تخلف العلة الثانية عن إبقائه فيفنى في نفس لحظة وجوده وهو محال لأنه اجتماع الوجود والعدم في نفس اللحظة، ولو بقي من نفسه ما هو أزيد من اللحظة صفر مهما كان مقدارًا ضئيًلا فإما أن تقول إن بقائه من نفسه فإذا فنائه ليس من نفسه بل علة وجودية خارجية اقتضت إفنائه، وإما أن تقول إن فنائه من نفسه لكنه متأخر على نفسه وهذا محال ثم العدم أمر حادث والحادث تغير في الوجود فلابد له من سبب حادث تام وإلا لزم أن يحدث شيء سواء وجودا أو عدما بلا أي تغير لأمر ما، بل يكون العدم الطارئ كالعدم المستمر لا علة لهما، وهذا محال من هذا الوجه أيضًا.
وحتى لو كان علة في إفناء نفسه بعد مدة، فقد بقي من نفسه مدة قبلها، وإذا كانت المدة التي بقي من نفسه فيها ممكنة ثبت إمكان بقائه من نفسه وإمكان زيادة هذه المدة أيضًا إذ أن تخصيص طولها وقصرها راجع لسبب ما فإما أنه راجع لنفسه فهو إذا يمكن أن يملك أن يطيلها، أو لنفس علة إيجاده فإذا يمكنها إكسابه بقاء دون أن تقارنه، والبقاء ليس معنى أزيد من الوجود في الخارج فيكون إكسابها له الوجود هو نفس إكسابها له البقاء فثبت المطلوب، وإذا طرء عدم البقاء كان لحدوث شيء لم يكن فثبت أنه ليس نفس ذات الأولى التي أوجدتها علة إيجاد ذاته، فثبت تجدد أمر وجودي مؤثر أدى لعدمه، إذ لا معنى لتجدد أمر عدمي يؤثر إذ العدمي لا يؤثر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"فإن العدم المحض لا يكون له تأثير في شيء أصلا"
وقال:
"العدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود، بل يكفى فيه عدم السبب الموجود؛ ولأن السبب الموجود إذا أثر فلابد أن يؤثر شيئاً، والعدم المحض ليس بشىء، فالأثر الذي هو عدم محض بمنزلة عدم الأثر، بل إذا أثر الإعدام فالإعدام أمر وجودي فيه عدم، فإن جعل الموجود معدوماً والمعدوم موجوداً أمر معقول، أما جعل المعدوم معدوماً فلا يعقل إلا بمعنى الإبقاء على العدم، والإبقاء على العدم يكفي فيه عدم الفاعل، والفرق معلوم بين عدم الفاعل وعدم الموجب فى عدم العلة، وبين فاعل العدم، وموجب العدم، وعلة العدم. والعدم لا يفتقر إلى الثاني، يل يكفى فيه الأول." - قاعدة جامعة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة (ص: 83)
وقال في درء تعارض العقل والنقل (3/ 452)
"فإنه يمكن عدمه بالإعدام، وفعل الإعدام ليس فعلاً لعدم مستمر، بل هو إحداث لعدم ما كان موجوداً، كما أن إحداث الوجود إحداث لوجود ما كان معدوماً "
وقال:
"وحقيقة قولهم أن العدم الطارئ المتجدد بمنزلة العدم الدائم المستمر، يكفي فيه عدم الإرادة للإيجاد والإبقاء وعدم إيجاده وإبقائه. ".. ثم يبطل ذلك فيقول: "فالعدم الحادث الطارئ كالوجود الحادث الطارئ، كل منهما لا بد له من سبب" - قاعدة في العدم والإعدام واستطاعته وفعله" - جامع المسائل (السادس)
وأما في قولهم أن نفس الممكن المستمرة كافية لإفنائه بلا تجدد سبب وجودي يفنيه يقول في النبوات:
"وهذا لا يعقل، وهم حائرون؛ إذا أراد أن يعدم الأجسام، كيف يعدمها؟. والمشهور - عندهم - أنها تعدم بأنفسها إذا لم يخلق لها أعراضا. فالعرض يفني عندهم بنفسه، والجوهر يفني بنفسه إذا لم يخلق له عرض بعد عرض. هذا في الإفناء. وأما في الإحداث: فإنهم استدلوا على حدوثها بدليل باطل، لو كان صحيحا، للزم حدوث كل شيء من غير محدث.
فحقيقة أصل [أهل] الكلام المتبعين للجهمية: أنه لا يحدث شيئا، ولا يفني شيئا، بل يحدث كل شيء بنفسه، ويفني بنفسه، ويلزمهم جواز أن يكون الرب محدثا أيضا بلا محدث." - النبوات
ويقول:
"ولولا أن هذا ليس موضع بسط الكلام في مثل هذه الأمور وإلا لكان ينبغي أن تبين أن مثل هذا الكلام من أسخف الكلام الذي ذمه فإن هؤلاء يقولون إن الله لا يمكن أن يفني شيئا من الأجسام والأعراض بل طريق فنائها أنه لا يخلق الأعراض التي تحتاج إلى تجديد وإحداث دائما فإذا لم يحدثها عمدمت الأجسام وفنيت بأنفسها لأنه لا وجود لها إلا بالأعراض ومثل هذا الكلام لو قاله الصبيان لضحك منهم." «درء تعارض العقل والنقل» (3/ 453)
ويمكن أن يقال إن الامتداد الزماني للموجود كالامتداد المكاني والتحيز، فكما أنه لا يعقل بالفطرة الإنسانية العادية موجود غير ممتد بنفسه ولا ممتد بغيره (قائم بغيره) ولا يعقل أن يكون امتداده غير ذاته بحيث تكون علة إيجاد ذاته غير علة إيجاد امتداد ذاته، فكذلك يقال في الصفات، إن علة وجود الشيء هي نفس علة صفاته التي اتصف بها لحظة وجوده، ولا يعقل تقدم وجوده على أي صفة له، ولا على أي امتداد له، وكذلك لا يعقل تقدم ذاته على أي بقاء له إلا ولزم أنه لن يبقى حتى يصل للحظة التالية التي بها يخلق البقاء له، وكذلك سيستلزم الجمع بين النقيضين وهو أن نفس لحظة وجوده هي لحظة فنائه لأنه لا يبقى لزمنين.
يقول شيخ الإسلام:
"وإذا كان لكل شيء مخلوق قيام وقدر دَلَّ ذلك على فساد قول من أثبت الجوهر الفرد ومن قال العَرَض لا يبقى زمانين.
فإن الذين يقولون بالجوهر الفرد يثبتون شيئًا لا تتميز يمينه عن يساره ولا يعرف بالحس وهو ممتنع وجوده فإن وجود ما لا يتميز منه جانب عن جانب ممتنع وإنما يفرضونه في الذهن"
"والحركة وإن وجدت شيئًا فشيئًا فلا بد لها من لبث لا يتصور أن تعدم قبل أن تلبث زمنًا من الأزمان" - تفسير آيات أشكلت (1/ 435)
ويقول:
"الموجود الحادث قد يبقى فلا يمكن أن يقال حين حدوثه بطل فإنه جمع بين النقيضين" - الصفدية (2/ 183)
فثبت بذلك أن الوجود عين البقاء في الخارج والثبوت في الخارج، وأن علة الوجود هي ما به يكتسب الشيء الوجود واكتساب الوجود لا يكون إلا لمن هو فاقد له وإلا كان تحصيل حاصل، فيثبت بذلك أن كل ما اكتسب الوجود فقد سبق وجوده العدم، والعدم المستمر لا يعلل، ثم ما به اكتسب الوجود هو ما به اكتسب كل لوازمه الذاتية، وبعد غناه عن ما به صار موجودًا وهو علته الفاعلة فإنه لا معنى لبقائها (والفرض أن بقاء المؤثر تأثير (A) هو بقاء التأثير بـ(A) نفسه ويستلزم تحصيل الحاصل كما ذاته، فيلزم ألا يقارن وجود العلة وجود المعلول ولا تبقى العلة لحظة بعد وجود المعلول بل يجتمعان في نقطة تنتهي بها العلة عند اكتمالها ويبدا وجود المعلول في نفس اللحظة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والإرادة إرادة لا تتعلق بالمعدوم من جهة كونه معدوما، بل تتعلق بوجود الفعل، لكن يمتنع أن يراد فعله إلا إذا كان معدوما، فالعدم شرط في إرادة فعله، ولهذا جعل من جملة علل الفعل.
ولهذا كان جماهير العقلاء مطبقين على أن كل مفعول فهو حادث، وكل ما أريد أن يفعل فإنه يكون حادثا، وكل ما تعلقت المشيئة والقدرة بفعله فهو حادث.
ثم من الناس من يقول: هذا مختص بكونه مفعولا بالاختيار، وإلا إذا كان معلولا لعلة موجبة، لم يلزم حدوثه.
وهو غلط. بل كل ما فعل، فلا يكون إلا محدثا؛ سواء كان ذلك ممكنا، أو ممتنعا. بل نفس كونه مفعولا مستلزم حدوثه، ونفس تصور العلم بكونه مفعولا يوجب العلم بحدوثه، وإن لم يخطر بالبال كونه مفعولا بالقدرة والاختيار." - النبوات
وقد يقال إن الممكن هو ما لا يملك لنفسه إلا العدم ولذلك فإن نفسه كافية في إفناء نفسه فنقول:
إن هذا الرد ليس عقليّا أصلًا فضلًا عن أن يكون حجة، بل مماحكة لفظية، فإن من يقول هو لا يملك لنفسه إلا العدم الأصلي، لا يثبت له ذاتا موجودة تملك لنفسها شيء هو العدم وتكون علة لعدم نفسها الأصلي، بل المقصد أن الأصل فيها العدم الذي لا يعلل بعلة فاعلة لا من نفسها ولا من غيرها، وأقصى ما يقال: إن علة العدم الأصلي هو قصد الله لترك خلقه عن علم وحكمة وهذه علة غائية وليست فاعلة، أما نفس ذات الممكن فلا تملك لنفسها لا وجودا ولا عدمًا وكل ما يطرئ عليها فهو مفتقر معلول لله بمشيئته سبحانه، فوجودها لعلة وعدمها الطارئ لعلة ولا تملكون إلا قياس العدم الطارئ على العدم المستمر، وهذا ما تنبه إليه شيخ الإسلام في مسألة فناء الموجود لذاته فقال:
"وقال كثير من متكلمة الإثبات من الأشعرية والحنبلية: عدمُه وفناؤُه بأن لا يُحدِث سببَ بقائِه، إمّا أن لا يُحدِث البقاءَ عند من يقول منهم: إن الباقي باقٍ ببقاءٍ، وإمّا أن لا يُحدِثَ الأعراضَ عند من يقول منهم: إن العَرَضَ لا يَبقَى زمانَيْنِ. فإن هؤلاء يقولون: إنما بقاءُ الأعيان التي هي الجواهر بما يُحدِثُه له من الأعراض، أو بما يُحدِثُه من البقاء، فإذا انتفَى شرطُ بقائها انتفَتْ وعُدِمَتْ، وانتفاءُ شرطِ البقاءِ يكفي فيه أنه لا يفعله ولا يُريدُه.
وحقيقة قولهم أن العدمَ الطارىءَ المتجددَ بمنزلةِ العدم الدائمِ المستمرّ، يكفي فيه عدمُ الإرادةِ للإيجادِ والإبقاءِ وعدمُ إيجادِه وإبقائِه.
ثم رد عليهم:
"فالعدم الحادث الطارىءُ كالوجودِ الحادثِ الطارىء، كلّ منهما لا بدَّ له من سبب" - جامع المسائل لابن تيمية - عزير شمس (6/ 207)
فالعدم الطارئ يقاس على الوجود الطارئ من جهة احتياجه لعلة مؤثرة وجودية حادثة، والعدم المستمر يقاس على الوجود المستمر، فكما أن استمرار الوجود لا يحتاج أكثر من علة بداية الوجود الأصلية ما لم يطرئ عليه شيء، كذلك العدم المستمر لا يحتاج إلى علة لاستمراره طالما أن عدمه الأصلي الملازم لعدم علته باق على حاله لم يطرئ عليه شيء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في خلاصة الرد على هذه الشبهة: درء تعارض العقل والنقل (3/ 153
" فقول القائل الممكن لا يوجد إلا بمرجح بمنزلة قوله لا يوجد بنفسه لا يوجد إلا بغيره ولا يحتاج أن يقول ما لا يوجد بنفسه لا يعدم إلا بغيره فإن ما لا يوجد بنفسه فليس له من نفسه وجود وإذا قلت له من نفسه فهذا له معنيان إن أردت أن حقيقة مستلزمة للعدم لا تقبل الوجود فليس كذلك بل هي قابلة للوجود والعدم وإن أردت أن حقيقته لا تقتضي الوجود بل ليس لها من نفسها غير العدم وأن وجودها لا يكون إلا من غيرها لا من نفسها فهذا صحيح فالفرق بين كونه ليس له من نفسه إلا العدم وبين كون نفسه مستلزمة للعدم فرق بين مع أن قولنا له من نفسه وليس له من نفسه لا نريد به أنه في الخارج نفس ثابتة ليس لها إلا العدم أو هي مستلزمة للعدم فإن هذا يتخيله من يقول المعدوم شيء ثابت في الخارج أو يقول الماهيات في الخارج أمور مغايرة للوجود المحقق في الخارج وهذا كله خيال باطل كما قد بسط في موضعه
ولكن الماهية والشيء قد يقدر في الذهن قبل وجوده في الخارج وبعد ذلك فما في الأذهان مغاير لما في الأعيان
وإذا قلنا هذا الممكن يقبل الوجود والعدم أو نفسه أو حقيقته لا تقتضي الوجود ولا تستلزم العدم فنعني به أن ما تصوره العقل من هذه الحقائق لا يكون موجودا في الخارج بنفسه وليس له في الخارج وجود من نفسه ولا يجب عدمه في الخارج بل يقبل أن تتحقق حقيقته في الخارج فيصير موجودا ويمكن أن لا تتحقق حقيقته في الخارج فلا يكون موجودا" انتهى كلامه
وجه آخر في إبطال أن علة البقاء
هي علة فاعلة سواء كانت استمرار العلة الفاعلة التي فعلت الذات وأحدثت وجودها، أو علة أخرى أزيد من علة الذات أن يقال:
إن كل ما تتعلق به المشيئة فهو ممكن حادث لأنه قبل العدم قبل وجوده سواء كان قد قام بالواجب أم لا، فهو يشترك مع الممكن البائن من هذا الوجه (تعلق المشيئة والقدرة به (أي تعلق العلة به)، وأنه غير أزلي)، ثم نطور البحث فنقول: إن كان البقاء لابد له من علة مقارنة مستمرة مع استمراره، وعلة البقاء حادثة معلولة، فكذلك لابد لها من علة مستمرة مع بقائها، وسيلزم ما لا يتناهى من العلل المستمرة الباقية المقارنة لبعضها دفعة واحدة، إلا أن نصل إلى علة حادثة موجودة بذاتها كافية لإيجاد غيرها، ونحن نزعم أن هذه العلة هي أن ذات الباري إن قام بها فعل مؤثر فإن هذا الفعل لا يحتاج أن يقارنه فعل آخر يبقيه بل يبقى طالما أن الله شاء وجوده (شاء أن يفعل) وينتهي متى انتهى الغرض منه فيقصد الله تركه والكف عنه، فإن أفعال الله مشروطة ببعضها لا معلولة ببعضها، لكن المقصد أنك مضطر لإثبات فعل حادث لا يحتاج في بقائه إلى غير سبب حدوثه وهو مشيئة الله، وكذلك مشيئة الله الحادثة لا تحتاج في حدوثها إلا كل ما به يصح من الذات إحداث شيء بعد شيء بشرط شيء سبق منها، وهذا بحث آخر طويل.
خلاصة الحجة:
نقول للقائلين بأنّ فعل الثبات (البقاء) غير فعل الإيجاد (الإحداث) وأنه يحتاج لعلّة غيرها:
- السؤال الأوّل: ما علّة ثبات العلّة الحافظة نفسها؟
- إن قالوا: لها علّة أخرى، قلنا: وما علّة ثبات تلك؟ وهكذا إلى ما لا نهاية.
- والتسلسل في العلل المُحدِثة باطلٌ بالاتّفاق.
- فإن قالوا: ينتهي إلى علّة واجبة الوجود لا تحتاج لغيرها وهي أزيد من ذات الواجب لتعلق الحادث بها.
ويستبين ذلك بتفريع البحث فيقال فما العلة الأنطولوجية لبقاء الواجب؟ فإن قلتم للتناقض في عدمه قلنا هذا تبرير ابستمي لا دليل أنطولوجي؛ وإن قلتم: باقي لذاته لا يحتاج لعلة ووجوده ملازم لنفسه، قيل لكم: الذاتي باقي بشرط ببقاء الذات، فما كانت ذاته غير معلولة لغيرها ولا له علة فاعلة أصلًا كان وجود لوازمها الذاتية التي هي منها غير معلول لغيرها ولا له علة فاعلة أصلًا، وإن كان من غيرها فهو من نفس علة إيجاد ذاتها لا يتخلف عنها، وقد أقررتم بحصول علة وجود الذات وهو حدوثها الذي هو بداية وجودها ليس إلا، فوجدت لوازم الذات حيث وجدت فيكفي في وجودها ما به وجدت الذات.
وليس الوجود ملازم للماهية الممكنة المتصورة وإلا كانت أزلية قديمة، ولكنه الوجود له ما يلازمه من معان إذا وجدت الماهية في الخارج سواء كان وجودها حادثًا أو قديمًا، لكن المقصد أن لوازم الذات لا تتخلف عنها حيث وجدت والذات الحقيقية هي الموجودة، أما تقديرها في الذهن فأمر آخر.
وقد أقر ابن تيمية هذه الحجة حين أوردت على ابن سينا فقال في الصفدية:
قال ابن سينا:
قال: "فإن تشكك متشكك وسأل فقال إنه لما كان إنما يثبت الممكن الحادث بعلة وتلك العلة لا تخلو إما أن تكون دائما علة لثباته أو حدث كونها علة لثباته فإن كانت دائما علة لثباته وجب أن لا يكون الممكن حادثا وقد وضعناه حادثا فإن حدث كونها علة لثباته فيحتاج أيضا كونه علة لثباته والنسبة التي له إليه إلى علة أخرى لثباته بعد العلة المحدثة لهذه النسبة فإن النسبة التي بينهما قد كانت بسبب ما فيجب أن يدوم ويبقى بسبب والكلام في الأخرى كالكلام في الأولى فهذا بعينه يوجب وضع العلل الممكنة الحادثة معا بلا نهاية".
قال: "نقول في جواب هذا إنه لولا تسبب شيء من شأن ذلك الشيء أن يكون حدوثه بلا ثبات أو ثباته على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فيلزم منه انتهاء علل محدثة ومثبتة إلى علل أخرى في زمان آخر يناقض تلك أو يزيد عليها تأثيرا حادثا من غير تشايع آنات بل مع بقاء كل علة ومعلول ريثما يتألف إلى الآخر لكان هذا الاعتراض لازما".
قلت (ابن تيمية في الصفدية): من هنا يتبين المقصود فإن هذا الاعتراض لازم لا محيد عنه وما ذكره من الجواب في غاية الفساد وذلك أن صاحب الاعتراض قال ثبات الحادث لا بد له من علة دائمة كما تقدم فإن كانت تلك العلة القديمة دائمة وجب كون المحدث بها قديما معها لا حادثا فإن حدث كونها علة فذاك أيضا حادث فيلزم أن تكون علية ذلك الحادث حادثة ثانية ثم علية ثبات تلك العلة الحادثة يقتضي علة حادثة ثالثة وهلم جرا.
والعلة يجب أن تكون مع المعلول فهذا يقتضي تقدير علل ممكنة حادثة معا بلا نهاية وهو ممتنع وهذا الاعتراض مستقيم."
وجه آخر: أن يقال:
1) إن كانت للثبات علّة فاعلة مستقلّة، فالبقاء يُنسب إليها إيجاباً ما دامت قائمة.
2) عند حصول التغيّر، إمّا أن تبقى علّة البقاء فاعلة، أو تزول.
3) إن بقيت فاعلة، لزم اجتماع مقتضيين متضادّين في محلّ واحد:
علّة تُوجب البقاء، وعلّة تُوجب الخروج عنه، وهو محال.
4) وإن زالت أو فنيت، فالبقاء لم يكن متقوّماً بها بعينها إذ لمّا زالت علة بقاءه على ما هو عليه إلى تغيره لحال أخرى مع بقاء أصل وجوده لم يعدم مع عدمها وتغيرها إلى علة غيرها.
وأيضًا لزم ألا يقدر مخلوق أن يعدم شيء إذ إن إعدامه تأثير وجودي والموجود لا يفنى إلا بعدمي وهو زوال مشيئة الله في أن يبقيه، فلا معنى أن يتوارد عليه الإفناء الوجودي والعدمي معًا وكلاهما يكفي، وإن قيل إن تعليل المخلوق ناقص، قيل فلا معنى أن يشارك الناقص سببًا تام المؤثرية لأن التام يكفي وكل ما يزيد عليه سواء كان ناقصا أو تاما فلا معنى له ولا مدخل له في التأثير، وإذا كل يفعله مخلوق يتضمن تغيير مخلوق من حال إلى حال (إفناء شيء وإيجاد شيء) فهو وهم، وعلى أقل تقدير فكل إفناء مخلوق لمخلوق فهو وهم.
وهذا ينفي سببية العباد تماما، أو ينفيها في الإعدام وكلاهما خلاف الحس والبداهة.
جهة أخرى: من جهة لزوم إمكان قدم العالم على قول من قال إن علة البقاء الفاعلة يمكن أن تقارن المعلول بعكس علة الإحداث التي لا بد فيها من التعاقب!:
وهو أن من قال بانفكاك اللزوم بين جدوث الوجود ومطلق البقاء، يقال له: إن أمكن علة حدوث بلا بقاء أمكن علة بقاء بلا حدوث، إذ إن اكتساب الوجود عندك له نوعين، نوع هو اكتساب حدوث بلا بقاء، فلم لا تقول أن ثمة إكساب وجود هو إكساب بقاء بلا إحداث إذ أنك تقول أن الحدوث والبقاء معنى وراء نفس الوجود وبدايته نفسه! وتثبت علة فاعلة لإحداث الوجود وعلة فاعلة لإبقاء الوجود المستمر وراء علة بداية الوجود، فيلزمك إمكان القول بقدم العالم عن علة لم تزل تكسبه بقاء بلا ضرورة لافتراض علة إحداث أصلًا.
فإن قلت: أنا أبطل هذا بضرورة أن إفناء الممكن لابد أن تكون مقدورة لأن من تعريف الممكن أن مصداقه يقبل الإفناء، وما ثبت قدم علته امتنع عدمه، قيل، وبذا أثبت حدوثه، لكن الحدوث لا يتأتى إلا بإثبات لوازمه أصلًا وهو ضرورة تعاقب العلة والمعلول وبذا يتأتى نفس حدوثه الذي أثبته استدلاليّا، فلزمك الرجوع عن القول بإمكان العلة المقارنة لوجوده بعد إحداثه وإلا كنت متناقضًا.
والتناقض صورته التالي:
أنت تقول أن الممكن عند تصوره لا يكون إلا حادث ضرورة من تعريفه، لكن إن قلت أن العلة الفاعلة تقارن معلولها لزم عدم إمكان وقوع الحادث الممكن في الخارج أصلًا، لأن وقوعه نفسه ليس راجعًا لتعريفه! بل راجع لأن العلل الفاعلة لا تكون إلا تقتضي التعاقب حتى تنتج الحوادث الممكنة، وأنت اًصلأ تثبت علل يمكن أن تقارن معلولها أثناء وجوده ويكون تأثيرها فيه حال وجوده لا قبل وجوده لإيجاده!
خامسًا: الصورة الباقية للتأثير الإحداثي
بعد إبطال الحضور الصفري، وإبطال بقاء الإيجاد الابتدائي بعد حصول المعلول، لا يبقى إلا أن يقال:
إن التأثير الإحداثي فعلٌ ذو مدة موجبة، يسبق المعلول بقدرٍ زماني حقيقي، ثم ينتهي عند النقطة التي يبدأ منها وجود المعلول.
فليست العلة مقارنة للمعلول من غير سبقٍ أصلًا، وليست باقية بعده على جهة إيجاده ابتداءً، بل تؤثر في مدةٍ حقيقية، فإذا تمّ التأثير بدأ المعلول، وانقضت حاجة الإيجاد الابتدائي إليها.
سادسًا: جهة التأثير: هل هي أمر زائد أم نفس كيفية التأثير؟
بعد ثبوت أن التأثير فعلٌ واقع لا بد له من نحوٍ يتحقق عليه، يقال: جهة التأثير لا يمكن أن تكون أمرًا زائدًا على التأثير نفسه؛ لأن التأثير لا يوجد مطلقًا بلا جهة، كما لا توجد الحركة بلا جهةٍ ومقدار.
فالتأثير من حيث تحققه في الواقع لا يخلو من وجهين:
- إما أن يكون مقارنًا.
- وإما أن يكون متعاقبًا.
وليست المقارنة أو التعاقب طبيعةً وجودية زائدة على التأثير، بل هما كيفية تحققه نفسه. فمن جعل الجهة خارجة عن التأثير، فقد جعل التأثير معنىً ناقصًا لا يفسر كيفية حصول أثره.
سابعًا: إن كان التأثير مقارنًا
إن قيل إن التأثير يقتضي المقارنة، فمعنى ذلك أن العلة متى تمّت وُجد المعلول معها، من غير سبقٍ زماني لها عليه.
وعليه، لا يصح أن يقال: تمت العلة ثم تأخر المعلول؛ لأن التأخر لا يكون إلا مع نقصٍ في العلة أو عدم تمام التأثير.
لكن المقارنة بهذا المعنى تصطدم بما سبق تقريره في التأثير الإحداثي؛ لأنها تجعل فعل الإحداث إما صفريًا لا مدة له، وإما مستمرًا مع المعلول بعد وجوده.
فإن جُعل صفريًا، لم يكن فعلًا واقعًا ذا حضور.
وإن جُعل باقيًا بعد وجود المعلول بالمعنى الإحداثي نفسه، لزم إيجاد الموجود.
وإن ثبت أن المؤثر الفاعل من حيث معنى كونه مؤثر فاعل لابد أن تقارنه علته بدون أي تعاقب وترتيب زماني شيء بعد شيء، فإذا لزم أن كل الأسباب المؤثرة منذ الأزل قارنت نتائجها ويلزم حصول كل ما سيحصل في الواقع في نفس اللحظة على المقارنة الأفقية وتدخل موجود لا حصر لها ولا نهاية في الواقع وبنفس الوقت هي كل ما سيدخل الوجود بلا بداية ولا نهاية، وبنفس الوقت يمتنع حدوث الحوادث المشهودة شيء بعد شيء إذ لا معنى لتأخرها فكل ما هي موقوفة عليه سيقارن كل ما هو موقوف عليه أيضًا.
ثامنًا: إن كان التأثير متعاقبًا
وإن قيل إن التأثير يقتضي التعاقب، فمعنى ذلك أن السببية الإحداثية لا تكتمل إلا بمدةٍ تسبق وجود المعلول، وأن هذه المدة داخلة في تمام التأثير نفسه.
وحينئذ لا يصح جعل التأثير مقارنًا؛ لأن المقارنة تحذف ما فُرض أنه لازم لاكتمال التأثير. فما كان دون تلك المدة لا يكون تأثيرًا تامًا، بل تأثيرًا لم يبلغ كماله بعد.
فالتعاقب هنا ليس انفصالًا بين علةٍ تامة ومعلولٍ متأخر عنها بلا سبب، بل هو مدة التأثير نفسه، التي تنتهي عند ابتداء المعلول.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وحينئذ فمعلوم أن الأثر يكون عقب التأثير الذي هو المؤثرية، فإنه إذا خلق وجد المخلوق، وإذا أثر في غيره حصل الأثر، فالأثر يكون عقب التأثير، وهو جعل المؤثرية متأخرة عن الأثر.
وليس الأمر كذلك، بل هي متقدمة على الأثر، أو مقارنة له عند بعضهم، ولم يقل أحد من العقلاء: إن المؤثرية متأخرة عن الأثر، بل قال بعضهم: إن الأثر متأخر منفصل عنها، وقال بعضهم: هو مقارن لها، وقال بعضهم: هو متصل بها، لا منفصل عنها، ولا مقارن لها وهذا أصح الأقوال." - درء تعارض العقل والنقل (1/ 341)
ويقول:
"قيل: يجب أن يقارن الأثر ولتأثيره، بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان، فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه، وهذا قول هؤلاء الدهرية، القائلين بأن العالم قديم عن موجب قديم، وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة، وأعظمها تناقضاً، فإنه إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء،
وقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام، كما يقوله أكثر أهل الكلام، ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثراً تاماً، بعد أن لم يكن مؤثراً تاماً، بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام.
وهذا قول كثير من أهل الكلام، منهم من يقول: القادر يرجح أحد المقدورين بلا مرجح.
والقول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخياً عنه، كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير، والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد، والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد، ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له، وهذا قول أكثر أهل الإثبات.
وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان، فإن هذا لا بد منه، وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان، فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول، الذي هو الأثر." - درء تعارض العقل والنقل (3/ 63)
تاسعًا: هل يقال إن جهة التعاقب أو المقارنة راجعة إلى الطبيعة أو الإرادة أو معنى زائد على نفس معنى التأثير؟
قد يقال: إن التأثير لا يقتضي المقارنة ولا التعاقب بذاته، بل يتعين أحدهما بحسب طبيعة المؤثر أو إرادته.
فيقال: الطبيعة أو الإرادة أو أي معنى أزيد لا تخلو من حالين:
- إما أن تكون مؤثرة في تعيين جهة الأثر.
- وإما ألا تكون مؤثرة.
فإن لم تكن مؤثرة، لم تصلح تفسيرًا لحصول الأثر على هذه الجهة دون تلك.
وإن كانت مؤثرة، فهي داخلة في تمام ما به يحصل التأثير، لا خارجة عنه. وحينئذ يعود السؤال إليها: هل تأثيرها في تعيين الجهة مقارن أم متعاقب؟
وإن قيل بل هي خارجة عن تمام التأثير وليست داخلة فهي إذا خارج البحث، إلا إن كانت هي المؤثر نفسه فإذا الأول المبحوث ليس هو المؤثر وأصلا البحث في المؤثر لا في غيره، فيعود البحث:
فإن كان مقارنًا، لزم ما يلزم في المقارنة.
وإن كان متعاقبًا، لزم ما يلزم في التعاقب.
وإن قيل: لا هذا ولا ذاك، صار التأثير بلا جهة متعينة، وهذا إبطال لمعناه الواقعي.
فالإحالة إلى الطبيعة أو الإرادة لا ترفع البحث، بل تنقله إلى مرتبة أخرى.
عاشرًا: الصور الممكنة وحكم كل صورة
يمكن جمع المسألة في الصور الآتية:
- تأثير صفري محض، وهو باطل؛ لأن الصفر ليس مدة، وما لا مدة له لا يحضر في الواقع بوصفه فعلًا سببيًا، بل يكون حدًا اعتباريًا.
- تأثير مقارن للمعلول من غير سبقٍ أصلًا، وهو لا يفسر الإحداث الابتدائي؛ لأنه إما أن يجعل الإحداث صفريًا، أو يجعل العلة موجدةً للموجود.
- تأثير يبقى بعد وجود المعلول على جهة الإحداث الأولى، وهو ممتنع؛ لأنه تحصيل حاصل وإيجاد للموجود.
- تأثير تُعيَّن جهته بأمر خارج عنه، فإن كان ذلك الخارج مؤثرًا فهو داخل في تمام التأثير، وإن لم يكن مؤثرًا فليس تفسيرًا.
- تأثير متعاقب بمدة موجبة تنتهي عند بداية المعلول، وهذه هي الصورة المعقولة في الإحداث الابتدائي؛ لأن التأثير فيها يحضر في الواقع حضورًا موجبًا، ولا يبقى بعد حصول أثره على جهة الإيجاد الأول.
النتيجة
التأثير الإحداثي لا يكون حضورًا صفريًا، لأن الحضور الصفري ليس إلا حدّ ابتداء لا فعلًا واقعًا. ولا يكون مقارنًا للمعلول من غير سبقٍ أصلًا، لأن ذلك إما أن ينفي مدة التأثير، وإما أن يوقع في إيجاد الموجود. ولا يبقى بعد حصول المعلول على جهة الإحداث الأولى، لأن الإيجاد الابتدائي ينقضي بحصول الموجود.
فالصورة الأقرب إلى المعقول أن التأثير الإحداثي فعلٌ زماني ذو مدة موجبة، يسبق المعلول، ثم ينتهي عند الحد الذي يبدأ منه وجود المعلول. وبهذا تكون نهاية مدة التسبيب هي عين بداية وجود الأثر، لا أن العلة التامة تبقى بلا أثر، ولا أن المعلول يوجد معها من غير فعلٍ سابق، ولا أن العلة تستمر في إيجاده بعد أن وُجد.