الغيث الشامي

نقد نظرية المعرفة "الشمولية النسبية" لكواين

نقد واحدة آخر الصياغات الفلسفية الحديثة لنسبية الحقيقة

نقد نظرية المعرفة "الشمولية النسبية" لكواين

كواين في مواجهة الضرورات العقلية غير القابلة للشك

كواين عنده مشكلة مع المعارف القبلية (a priori) وفكرة الضرورات العقلية (necessary truths) معًا، لكن بطريقة خاصة.

بالتفصيل:

كواين لا ينكر أن بعض المعارف تبدو لنا ضرورية أو سابقة على الخبرة، مثل قواعد المنطق والرياضيات، لكنه يرفض الفكرة التقليدية بأن هناك حدودًا فاصلة وثابتة بين معارف ضرورية/قبلية (A priori/Necessary) ومعارف تجريبية (A posteriori/Contingent)، فعنده، كل المعارف ـ حتى المنطق والرياضيات ـ جزء من شبكة المعتقدات (web of belief)، وهذه الشبكة كلها عرضة لإعادة النظر، إذا واجهنا ضغوطًا تجريبية كافية.

الضرورات العقلية ليست "حقائق مطلقة قائمة بذاتها"، بل مجرد مواقع مركزية قوية في شبكة المعرفة، يصعب تغييرها لكنها ليست مستحيلة التغيير. (مثلاً، نظريًا قد نعدل مبادئ منطقية أو رياضية لو واجهتنا تجارب علمية متطرفة جدًا).

كواين لا يرفض فقط "المعارف القبلية" بمعناها التقليدي، بل يهزّ أيضاً فكرة "الضرورات العقلية" ويجعلها مجرد مواضع صلابة داخل شبكة التجربة والتفسير، لا أكثر، كل معرفة بشرية، بما فيها ما نظنه ضرورات عقلية، تخضع نظريًا للمراجعة، هذه نظريته للضرورات العقلية: شبكة نظرية فيها مواضع قوية تثبتها (مثل المسامير) لكنها عرضة للفك والتغيير أيضا ، ولا يوجد بديهيات لا يمكن الشك فيها البتة وكل المعارف متساوية من جهة انها مجرد مواضع في الشبكة ومتفاوتة من جهة قوتها وأهميتها داخل الشبكة المتماسكة

نقد نظريته

نظرية كواين نفسها تعتبر معرفة نظرية عند كواين أي ليست "معرفة ضرورية" أو "قبلية" أو "مطلقة".

بمعنى آخر:

كواين يعتبر نظريته (عن أن المعرفة شبكة خاضعة للتجربة) افتراضًا علميًا عامًا مبنيًا على أفضل الفهم التجريبي لدينا للعقل واللغة، لكنه لا يزعم أن هذه النظرية نفسها ضرورية عقليًا أو غير قابلة للمراجعة، لو ظهرت تجارب أو تطورات مستقبلية تهدم هذا التصور الشبكي، فبموجب مبدئه نفسه، يجب علينا إعادة النظر حتى في "نظريته عن المعرفة".

بالتالي:

كواين يعيش فعلاً داخل منطقه الخاص: لا يدّعي امتلاك حقيقة عقلية ضرورية، بل يتعامل مع كل شيء كنظرية قابلة للترجيح والتعديل.

كواين يعامل فكره عن المعرفة بنفس المعايير التي يفرضها على كل معرفة أخرى، طيب معناها نظريته هي نفسها منطقة في شبكة اكبر:

نظريته عن المعرفة (أي أن المعرفة شبكة خاضعة للتجربة ومترابطة) هي نفسها مجرد جزء داخل شبكة معرفية أكبر.

كواين لا يضع نفسه خارج الشبكة لكي يحكم عليها، بل يعتبر أن فهمه للمعرفة مجرد عقدة ضمن شبكة أوسع تشمل اللغة، العلم، الملاحظة، الفلسفة، وغير ذلك.

بالتالي:

نظريته ليست "الأساس" الذي يقوم عليه كل شيء، بل مجرد موضع (Position) داخل البناء الكلي للمعرفة، قابل لأن يتغير مثل أي موضع آخر لو لزم الأمر.

ملخص الفكرة بجملة واحدة:

> كواين داخل الشبكة، ليس فوقها، لكن هل هذه الشبكة الاكبر هي موضع في شبكة اكبر؟

من حيث منطق كواين: نعم، ممكن.

الشبكة المعرفية التي نحن فيها (بما فيها العلم والفلسفة والمنطق...) هي بدورها جزء من شبكة أكبر إذا وسّعنا المنظور.

مثلا: لو تطورت طريقة فهم الكائنات لعالمهم بطريقة مختلفة جدًا عن البشر، قد تظهر شبكات معرفية أوسع أو مختلفة تمامًا، ونحن نُعتبر جزءًا صغيرًا منها، أو داخليًا: مع الزمن، تتغير شبكة معتقداتنا، وتتشعب أو تتوسع فتُصبح شبكة أكبر مما كانت.

بالتالي:

لا توجد "شبكة نهائية" أو "شبكة مطلقة" عند كواين، المعرفة دائمًا نسبية إلى الوضع الراهن للشبكة، وهي دائمًا مفتوحة على التوسع، التغيير، أو الانهيار الجزئي أو الكلي.

> في فكر كواين، كل شبكة يمكن أن تُحتوى أو تُعاد تفسيرها داخل شبكة أوسع مستقبلًا.

بالتالي:

هذه الشبكات إما أن تكون لانهائية أو لابد ان نصل لشبكة اولى ليست موضع في اي شبكة فهل يمكن ان تتغير؟ اذا قلت نعم فهل هناك معايير لهذا التغير؟

يفترض بالنسبة لكواين ان تكون هذه المعايير جزء من الشبكة وليست فوق الشبكة، فاذا لا يمكن تغيير الشبكة الا من داخلها وبما ان معايير الصواب والخطا كلها جزء من الشبكة اذا لا يمكن الحكم على كل الشبكة من خارجها بانها صواب او خطا، اذا نظرية كواين لا يمكن ان تكون صحيحة بالنسبة لكواين نفسه

1. الشبكة الكلية عند كواين، الشبكة المعرفية الكلية (التي تحتوي كل معتقداتنا ومعاييرنا) لا يمكن أن تُحكم من خارجها، لأن كل أدوات التقييم جزء من داخل الشبكة.

2. لا يمكن تغيير الشبكة إلا من داخلها، أي تعديل في الشبكة لا بد أن يحدث باستخدام معايير ومعتقدات تنتمي بالفعل إلى الشبكة.

3. لا توجد معايير "عالية" أو "فوق" الشبكة، فلا يوجد معيار مستقل خارجي يحكم على الشبكة ككل (سواء بالصحة أو بالخطأ).

4. النتيجة المنطقية

بما أن نظرية كواين عن المعرفة جزء من الشبكة، ولا توجد معايير فوق الشبكة، فلا يمكن لكواين أن يقول بحق إن نظريته صحيحة بشكل موضوعي أو مطلق.

لأن إصدار حكم على صحة الشبكة ككل يستلزم الخروج منها، وهذا مستحيل حسب منطقه، نظرية كواين لا يمكن تبريرها تبريرًا موضوعيًا كاملًا بناءً على مبادئ كواين نفسها.

كواين وقع فيما يسمى بـ "مأزق الإحالة الذاتية" (Self-Reference Problem):

إذ أن نظريته تتكلم عن كل المعرفة، بما في ذلك نظريته نفسها، لكنها لا تملك معيارًا خارجيًا للحكم على صحتها.

تعليق بسيط إضافي:

هذا النوع من النقد لاحظه فلاسفة آخرون (مثل كارل بوبر، وهيلاري بوتنام) الذين اتهموا كواين بأنه لا يستطيع تبرير موقفه دون استخدام معايير يفترض مسبقًا أنها صحيحة.

كواين سيعاني من الدور ان حاول ان يثبت نظريته باستخدام مفاهيم معرفية من داخل نظريته كان يقول انا ساثبت نظريتي من شيء من داخل الشبكة المعرفية او ما الى ذلك لان هذه المفاهيم نفسها جزء من نظريته فهو مطالب ان باتي بدليل لاثبات نظريته وهذا الدليل يفترض انه محايد وفوق نظريات المعرفة المتنازعة، اي صحيح بالنسبة للشخص العادي بينما هو نفسه ينقد هذا المفهوم فبالنسبة له الضرورات متغيرة فلا يمكن ان يتم اثبات نظريته بشيء ثابت بالفعل

١. مأزق الدور (Circularity Problem):

كواين لا يستطيع أن يستخدم مفاهيم مثل «الدليل»، أو «التحقق»، أو «الصدق» لإثبات نظريته، لأن هذه المفاهيم نفسها هي جزء من الشبكة التي تفسرها نظريته.

يعني يستخدم الشيء الذي هو موضوع نظريته ليبرر نظريته، وهذا دور باطل منطقيًا.

٢. الحاجة لدليل محايد:

لإثبات نظريته يجب عليه أن يأتي بدليل محايد: أي معيار أو مبدأ لا يتبع أي نظرية معينة للمعرفة.

لكنه ينكر وجود مثل هذا الدليل المحايد أصلًا (لأن لا شيء عنده فوق الشبكة).

إذن لا يمكنه أن يثبت نظريته دون أن يناقض نفسه.

٣. نفي الضرورة يقتل الإثبات:

بما أن كواين ينكر الضرورات الثابتة، إذن لا يمكنه أن يعتمد على مبادئ ضرورية وثابتة للإثبات أصلاً.

وبالتالي، إثباته لنظريته مستحيل بدون الوقوع في تناقض.

> كواين يقول إن كل شيء مرن وقابل للمراجعة، لكنه لكي يثبت فكرته، يحتاج إلى شيء ثابت ومحايد، وهذا شيء هو نفسه ينفي وجوده، إذًن، لا يستطيع أن يثبت نظريته دون أن يهدمها بيده.

فكر كواين ينتقد أي دعوى للضرورة، لكنه بنفسه يحتاج لضرورة ضمنية كي يثبت نفسه، فيفشل بذلك نقديًا.