كتاب الرد على المنطقيين هو من أهم مؤلفات شيخ الإســلام ابن تيمية وأكثرها تأثيرًا وعمقًا، إذ يبرز فيه عمق تفكير شيخ الإسلام وقوة رده على خصومه وتأصيله البديل جذريّا لنظرية المعرفة والوجود اليونانية المثالية السائدة في ذلك الزمان، إذ يفككها من أصولها الأولى ليقيم المعرفة الفطرية والحسية التجريبية كبديل صلب مازال قادرًا على المواجهة والإفادة بقوة حتى اللآن بالذات في المنهج التجريبي، سأحاول جمع الحــواشي التي كتبتها على بعض فقرات الكتاب مرتبة بحسب الباب ومواضيع التعلــيقات
في المعرفة والتجريبيات
في قولهم: قد ثبت هذا رياضيًّا، ولغة الأرقام لا تكذب!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"الوجه الرابع: العلم الرياضي لا تكمل به النفوس وإن ارتضت به العقول:
إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والى الرياضي والى الإلهي وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي والإلهي أشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق.
فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو مربعا ولو تصور كل ما في أقليدس أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا أن ذلك يطلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما.
وإنما جعلوا الهندسة مبدأ لعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية.
فان علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل والهندسة التي هي علم بالكم المتصل علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة مثل: جمع الأعداد وقسمتها.[1] "
يبين شيخ الإسلام في كتابه الرد على المنطقيين وغيره من الكتب إن الكليات الذهنية والمقدرات الذهنية المحضة كالمقادير والأعداد الرياضية ولو كانت مادتها في ذاتها يقينية فإنها لا تفيد علمًا بذاتها بموجود خارجي معين، ولا يحتاج إليها إلا من باب تقريب تصور الجزئي إن كان صعبا فيفرعه الذهن على الكلي (كما في قياس الشمول)، وفي العصر الحديث صارت تمثل العلاقات بين الطبائع الخارجية للأشياء في عبارات قانونية كلية انتزعت من الاستقراء في اطار المقادير التي وقع عليها الاستقراء وفي ذلك الحيز الزماني والمكاني الذي يسري فيه النظام والسنن الكونية المعينة المخصوصة له في حد علم الناظر فإنه يطبق كل مرة هذه القيم التي يستخرجها من الموجودات والمعدودات الخارجية ويطبق عليها هذا النمط في الحساب فيخرج بنتائج مفيدة، فاستخدام الرياضيات هنا أداتي كما ترى، وكثير من مواده يدخلها الاستقراء الناقص فهي تطبق في حيز الاستقراء باحتمال صحة عالي فعلا لكن خارجه تتضائل احتمالية صحتها المعرفية كلما ابتعدت عن حيز الاستقراء ليستحيل علمك بالنهاية إلى القول بغير علم ولا دليل لخروجك عن حيز الاستقراء وبعدك عنه ابتعادا كبيرا في الزمان والمكان،
كمثل من يمثل ما تعلمه من طبائع النار والأشجار في الدنيا على النار والأشجار في جهنم!
وإن الرياضيات تبقى على ضرورتها الصارمة ما إن بقيت حكما ذهنيا محضا (كقولنا 1+1=2 بالضرورة) أو لغويا شيء مع شيء شيئان ما لم يستحيلا إلى شيء آخر (وركز على القيد الأخير) فإن أحكام الخارج من تحولات المادة عند جمعها مع مادة أخرى أكثر توسعا من صرامة التعامل مع العدد المجرد، فلا يقال إن ما أثبتناه ذهنيا رياضيا إن كان ضروريا فإن وصفنا به طبيعة خارجية لزم أن تكون هي ضرورية أيضا لضرورة العبارة التي استعملت لوصفها بها
فإن الحقيقة الخارجية ليست مطابقة للعبارة الرياضية من كل وجه بل هي عبارة وصفية خبرية مع قياس تمثيلي، فأنت تمثل المقادير الخارجية بمعاني كلية ذهنية في رأسك ثم تمثل العلاقات الخارجية بين هذه الطبائع بالعلاقات الذهنية المجردة بين المقادير الذهنية المجردة كالضرب والقسمة، ففي الخارج قد توجد شروط وموانع تتغير فتغير طبيعة تفاعل المواد مع بهضها بما لا يكون داخلا في العبارة الرياضية التي استخدمتها انت في وصفها، وفي الخارج فإن طبيعة المعدود ب 1 مثلا قد تتغير بينما الواحد الذهني لا تتغير ماهيته إلى 2 مثلا بل يبقى معنى الواحد واحد ومعنى الاثنين اثنين بالضرورة.
فالعبارة الرياضية التي تصف سرعة سقوط الأشياء على الأرض كل مرة أنها 9.8 (تسارع الجاذبية) ليست ضرورية عقلا أن تكون مطابقة للخارج، بل هي احتمال كبير جدا كما هو في العادة يبلغ مرتبة اليقين في الحياة اليومية في استقراء البشر لنوع الشروط والموانع المتوفر بكثرة في العادة، وأما العبارة ذهنيا اي بغض النظر عن متعلقها الخارجي بل العلاقة بين المقادير الذهنية المحضة في هذه المعادلة فهي ضرورية يستحيل أن تنخرم لكن غلط من أخرج هذا من الأذهان لينزله على الأعيان!
وأتمنى أن أكون قد أحسنت إيضاح هذه المسألة
وهذا له علاقة بثمرة البحث الرياضي فإن كثيرا منه يتحول لبحث فلسفي محض لا ثمرة تطبيقية له أبدا وهذا مما لا ينبغي أن يضيع المسلم وقته فيه ويلتزم بدراسة ما له فائدة تطبيقية ممكنة إمكانا خارجيا علم له نظير ومحل يمكن أن يطبق فيه ولو بعد حين.
وقد تكلمت عن هذا في عدة مقالات في السابق سأضع رابطها، عن حقيقة الرياضيات وتطبيق المعادلات الرياضية في الفيزياء بشكل أكثر تفصيلًا.
وفي هذا يقول البروفيسور المهندس أبو الفداء حسام بن مسعود:
"الرياضيات إنما هي لغة رمزية كأي لغة يستعملها الإنسان في تصوير فئة معينة من فئات المعاني وتركيبها (العلاقات الذهنية بين أسماء الوحدات المتكررة - ككميات أو أعداد - سواء كانت تعبر عن أعيان متباينة كما في المعادلات الرياضية ونحوها أو عن صفات متداخلة لعين واحدة كما في التعبير الهندسي).
فليست هي «مكتشفة» ولا «مخترعة» كما اختلفت فيه الفلاسفة، وإنما هي لغة رمزية تتعامل مع بعض أنواع المعاني التجريدية بصورة مرجعها إلى مبدأ المعالجة اللغوية المنطقية للعلاقات بين تلك المعاني اللفظية محل البحث والتجريد. فما كان من بدهيات تلك المعاني في التجريد الذهني فإنما يتوصل منه (بالتركيب والمعالجة اللغوية الرمزية) إلى تصور علاقات كلية تجريدية صحيحة – معنويا - بين معالجاتها المختلفة ولا شك (وليس اكتشافها بالمفهوم الأنطولوجي)، وما كان من صور التعبير الوصفي والهندسي عن شيء واقعي، فإنما هو ضرب من التعبير اللغوي عن شيء أو نوع واقعي، بما يرد على أي تعبير لغوي من إجمال وتأویل و اشتباه و مغالطة وسوء تصور وغير ذلك وليس هو اختراعا بالمعنى الوجودي أيضا."
ويبنى على هذا أن الاستدلال بالرياضيات على الموجودات الخارجية لا يحمل أي قيمة معرفية زائدة عن الاستقراء أو التعبير اللغوي الاعتيادي أو الضرورات المعرفية الأخرى التي لا يعبر عنها بالرموز الرياضية بالعادة إلا أنها كلغة تكون أدق في التعامل مع المقادير المتصلة والمفصلة من سائر الأساليب اللغوية الأخرى وأبعد عن الإجمال أيضا في كثير من التخصصات المعرفية (ولا أقول كلها)، ومن الافتتان بطريقة التعبير الرياضية في غير محلها أن بعض الباحثين يحلمون أن يحولوا جميع العلوم إلى علوم مريّضة نظير ما هو حاصل في الفيزياء! سواء بوجود داعٍ لذلك أو بعدمه.
وفي هذا يقول البروفيسور أبو الفداء حسام بن مسعود:
"من أثر انتشار الفلسفة الوضعية في بلادنا أن صرنا نسمع قول القائل من المفتونين من بني جلدتنا: "لغة الأرقام لا تكذب!" فمن أين جاؤوا بهذه الدعوى الكلية المجملة العريضة وما دليل ذلك الاعتقاد لديهم؟
حقيقة الدعوى أيها القارئ الكريم أن كل من تمكن من صياغة فكرة من الأفكار لديه (أيا ما كانت) في «لغة الأرقام»: أي في معادلة أو عدة معادلات أو مصفوفة أو في أنموذج جيومتري أو نحوه فقد صدق بالضرورة (أي إذا كان التعبير الرياضي نفسه صحيحا بمقاييس الصنعة)! فبأي عقل تصدق هذه الدعوى الكلية نفسها عند من يتدبرها؟ هذا إطلاق فاسد لا يليق بعاقل أن يسلم به! ما كان من أعداد أو بيانات عددية لمعدود ما مما يمكن توثيقه بمجرد تكلف العد والإحصاء في أعيان معدودة لنوع مشاهد محسوس فهذا من «الأرقام» التي يحتج بها ولا إشكال لأن معدودها حاضر في الحس المباشر يمكن مراجعته لمن أراد.
فهنا يصح أن يقال إن «لغة الأرقام» لم تكذب! أما أن يقال عند المخاصمة: الحجة بيني وبينك هي "لغة الأرقام"؛ ثم يساق إلى الخصم من التنطع بالعبارة الرياضية والقياس التخميني في الغيبيات المحضة ما لا يسمن ولا يغني من جوع: فهذا لاحجة فيه عند من يعقل» والحمد لله رب العالمين!" [3]
لذلك كان شيخ الإسلام يقول:
"بل لولا المعدودات والمقدرات الخارجية ما عُدَّت الرياضيات علما، مع أن قوانينها ضرورية يقينية لا تنتقض ألبتة، لكنها محدودة الفائدة إذا لم تتعلق بموجودات خارجية، وغاية فائدتها حينئذ اللذة الذهنية، والرياضة العقلية، وتدريب النفس على الصواب، كما يصنع الطلاب عند دراسة علم المواريث والتدرب على قسمة التركات، فما لم توجد تَرِكات تقسم في الواقع الخارجي يبقى هذا العلم محدود الفائدة.
وهكذا الهندسة؛ فإن اليونان لم يتعلموها لمجرد تصور المقدرات؛ بل احتاجوها لأجل العمران، ولأجل ما أوقعهم فيه الشيطان من عبادة الكواكب، فكانوا يبنون لها الهياكل، ويرصدونها ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بينها من الاتصالات ليستعينوا بذلك على وضع ما يرونه مناسبا لها من الاعتقادات والطقوس، ولما كانت الأفلاك مستديرة لم يمكنهم معرفة حسابها إلا بالهندسة .
ولذلك قيل : علوم الفلاسفة إما يقينيات صادقة لا منفعة فيها، وإما ظنون كاذبة لا ثقة فيها ؛ فالأولى الرياضيات، والثانية إلهياتهم ." [4]
وسبحان الله فلكل قوم وارث فكما أن اليونان الأوائل كانوا يطوعون الرياضيات في خدمة عباداتهم للكواكب فاليوم يطوع احفادهم من الطبيعانيين الرياضيات خدمة ميتافيزيقاهم الاعتقادية في الفضاء وأبحاثه والكوزمولوجيا لنصرة نظرياتهم في نشاة الكون والحياة وما يجوز وما لا يجوز وجوده من الموجوادت الخارجية! تشابهت قلوبهم.
الهامش:
[1] [ الرد على المنطقيين، 133]
[2] معيار النظر عند اهل السنة والأثر (165/3)
[3] كتاب معيار النظر عند أهل السنة والأثر - المجلد الثالث - د. حسام بن مسعود.
[4] لخصه د. سعود العريفي من كتاب الرد على المنطقيين [مذكور في كتاب النقد التيمي للمنطق ص251، والنص الأصلي في الرد على المنطقيين ص136]
في العلاقة بين نظرية المعرفة ونظرية الوجود
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ولم يكن ذلك من همتي فإن همتي إنما كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات.
وتبين لي أن كثيرا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات، مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات وما ذكروه من حصر طرق العلم في ما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانية بل وفيما ذكروه من الحدود التي يعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات."
- الرد على المنطقيين
"يمكن لفيلسوف واحد أن يجمع بين الطريقتين الميتافيزيقية والمعرفية لدعم المثالية"قد بينت مرارًا كيف أن نقد النظرية لا ينحصر عند بيان أن لوازمها شنيعة (تناقض - دور - تسلسل، الخ) بل يجب العودة إلى الجذور الأولى لها وكيف نشأت لتعلم ما الذي أدى بها للوصول إلى ذلك والاحتراز من ذلك في نظيراتها من نفس النوع
- مقال المثالية في موسوعة ستنافورد
ويكون ذلك بالنظر في البنية المعرفية لأدلتها والخلفية النظرية في المعرفة لمنظريها وكيف أثر ذلك على تصورهم للوجود
لا يمكن الفصل بين سؤال" ماذا نعرف وكيف نعرف " عن سؤال " ما الذي نعرفه وما الذي يوجد بالفعل".
وقد تفطن ابن تيمية رحمه الله لذلك، فانتبه إلى أنه لا يمكن الاكتفاء بنقد الإلهيات (وهي بمثابة نظرية الوجود عند الفلاسفة ومن تأثر بهم) دون نقد المنطق الآرسطي (الذي هو بمثابة نظرية المعرفة عندهم) وأن فساد قولهم في الوجود راجع لفساد قولهم في المعرفة
وهذا ينطبق تماما على النظريات العلمية الباطلة اليوم، وقد يقع كثير من المتشرعين بخطأ انتقادها من جهة لوازمها الوجودية فقط أو معارضتها المباشرة للشرع دون النظر لمكمن الفساد الجذري في أدلتها وإبطاله ثم طرد ذلك في نظيراتها من نفس النوع.
ولهذا نحن نهتم بدراسة الابستمولوجيا وفلسفة العلم لفهم الخلافيات "العليا" في النظريات العلمية ولا نقتصر على سماع ما يقوله العلماء التجريبيين فقط حول موثوقيتها، ولا يمكنك أن تصبح ناقد للنظريات العلمية من أي نوع دون دراسة لفلسفة العلم مهما بلغ علمك بهذه النظريات.
فتأمل ذلك فإنه نافع جدا في بيان مقصودنا في كثير مما نكتبه وننشره.
التنبيه على أن المسفسط ليس علاجه الوحيد بالاستدلال العقلي بل بما يناسب حالته المعينة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الأحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ونحو ذلك."
- الرد على المنطقيين
قاعدة في الدليل المعتبر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو اللزوم: والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف أن كذا لا بد له من كذا أو أنه إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا فقد علم اللزوم" - الرد على المنطقيين
وهذا منطقنا في الرد على أدلة العلمويين، هي بين أن ما يستدلون به من أدلة على صحة بعض نظرياتهم أو "أجزاء" من نظرياتهم، أو تأويل لمشاهداتهم هو ليس بدليل مبني على اللزوم العادي أو العقلي وبذلك فمهما حشدوا من مشاهدات لا تحتوي على لزوم معتبر فهي ليست بدليل ولا يفيد إصرارهم على أنه دليل أو إجماعهم على أنه دليل فهذه قضايا عقلية لا تقليد فيها!
في استقلالية الشريعة عن العلوم المحدثة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ليست شريعة الإسلام موقوفة على شيء من علومهم (أي غير المسلمين) فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلا وإن كان طريقا صحيحا"
- الرد على المنطقيين
وفي ذلك رد على من يزعم أن نقدنا لأدلة المتكلمين المبنية على نظريات اليونان في الوجود والمعرفة، أو البراهين الكوزمولوجية المعاصرة يضعف موقفنا في إثبات وجود الله وصحة النبوات! فسبحان الله، فبأي شيء إذا أقام الله الحجة على العالمين إلى يوم القيامة جنهم وإنسهم، هل احتاج المسلمين صياغة البرهان الكوزمولوجي الكلامي لويليام لين كريغ أو دليل التصميم من التعقيد غير القابل للاختزال لمايكل بيهي أو المعلومات لديمبسكي أو غيره! على مافي هذه الأدلة من فساد وإفساد لاعتقاد المسلمين كما بيناه، بل أتى بما هو أقوى منها ويتضمن مافيها من مقدمات صحيحة بأحسن تقرير وأقرب عبارة، فسبحان الله والحمد لله الذي أتم لنا دينه منذ أن بعث رسوله.
في الخلل القديم المستمر عند الطبيعيين
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وهؤلاء (أي علماء الطبيعة) عندهم أمور معلومة من الحسابيات مثل وقت الكسوف والخسوف ومثل كرية الأفلاك ووجود السحاب من البخاري ونحو ذلك من الأمور الطبيعية والرياضية فيحتجون بها على من يظن أنه من أهل الشرع فيسرع ذلك المنتسب إلى الشرع برد ما يقولونه بجهله فيكون رد ما قالوه من الحق سببا لتنفيرهم عما جاء به الرسول من الحق بسبب مناظرة هذا الجاهل."
- الرد على المنطقيين.
قلت: كثير من الإخوة عندما يسمع ردودنا على "فلاسفة الطبيعة" في كلامهم عن الكيانات والأحداث غير القابلة للرصد unobservable reality - الغيبيات - كما يسميها المسلمون، فيظنون أن ردودنا تنسحب على ما شاهدوه بل ما تواترت مشاهدته مثل كروية الأرض، وباعثهم على ذلك هو خلطهم بين مفهوم التفسير والتأويل "السني" وقد بينّا معناه من كلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله، وأن التفسير هو الكافي في التدبر الأولي للآيات بفهم مدلولاتها العربية دون العلم بالكيفيات والحقائق الخارجية التي تدل عليها بل بمجرد إدراك القدر المشترك الذهني بينها وبين المشاهد في حال كانت تصف حوادث أو كيانات غيبية، ومثال ذلك عمل الملائكة خلف الظواهر أو كيف جعل الله سطح الأرض منبسط وسطحي مع كون الجرم الذي عليه هذه الأرض السطيحة كروي، الخ.
فهم يخلطون بين ما تصفه هذه المعاني في العادة وبين كل ما يمكن أن يدخل تحتها من كيفيات غيبية لا تدرك إلا بالمشاهدة الحسية ويشابهون في ذلك "المذهب الاسمي" الذي يلزم من تبنيه تعطيل الغيبيات والتجهم المحض، فيظن مثلًا أن فهمه لكلمة "نار" عندما نتحدث عن نار جهنم هو إدراك لكيفية هذه النار بموجب حقيقة أن العرب لا يطلقون النار إلا على النار المعروفة!
فهذه نفس حجة المعتزلة في قولهم أننا لا نعرف الكلام إلا باصطكاك الأسنان وخروج الهواء، فهم لا يفرقون بين المفهوم والمصاديق، العرب يفهمون قدر مشترك معنوي كلي لكلمة نار، لكنهم تعلموا هذا المعنى من النار التي يعلمونها في الدنيا كمثال على نوع من النار التي يمكن لله سبحانه أن يخلقها، لذلك عندما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بصفات الله عز وجل فهموها وكلهم جيلًا بعد جيل قرروا نفي العلم بالكيفية ولم يقولوا العرب تسمي هذه اليد بيد اذا يد الله كأيدينا! وقد بسطنا الكلام على هذا في مقال مخصص فلا نعيد.
ولكن الخلاصة أن المعنى الكلي المشترك أوسع من الأمثلة والمصاديق المحسوسة في الشاهد ويدخل تحتها ما لا يحصيه إلا الله من الكيفيات الغيبية التي ربما لو رأيناها لما علمنا انطباق هذا المعنى عليها أصلًأ ولكن الله يعلم وجه انطباقه عليها لعلمه بحقيقته وكل لوازم تلك الحقيقة.
فلا يتوهم التعارض بين الكيفيات المحسوسة للظواهر وبين ما أخبر الله أنها أسباب غيبية ورائها إلا من استحضر في نفسه كيفية معينة وجزم أن الله قصدها هي بعينها وأنها لو صحت سيمتنع أن يصح ما شاهده الطبيعيين وكأن الله ليس في قدرته أن يجعلنا نرى ما نرى مع كون الأسباب الغيبية هي كما وصف، كأن يكون كل شبر من الأرض مسطح مع كون الجرم بكامله كروي، أو أن يكون الماء النازل من السحب له تعلق غيبي في تكونه بالماء الذي تحت العرش مع ذلك هو يصعد من بخار الماء الذي في الأرض، وإلى آخره بما لا يعلم حقيقته الغيبية إلا الله وليس لنا أن نكذب بما رأيناه لأجل كيفية متوهمة لما لم نراه.
في نقد أدلة العملويين الطبيعانيين:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ونحن لم نقدح فيما علم من الأمور الطبيعية والرياضية لكن ذكرنا أن ما يدعونه من البرهان الذي يفيد علوما يقينية كلية بالأمور الطبيعية ليس كما يدعونه بل غالب الطبيعيات إنما هي عادات تقبل التغير ولها شروط وموانع" - الرد على المنطقيين
نقض ابن تيمية للتصور الإلحادي لمبدأ "التماثلية uniformity" في العلم التجريبي
ينص هذا المبدأ أن قوانين العالم بصورة ما أو بأخرى مستمرة كما نراها الآن نوعًا من الأزل وإلى الأبد، وهو نوع من التعميم الفاحش للاستقراء وجعل هذه القوانين المستنبطة من علاقات وطبائع الأشياء هي قضايا ضرورية واجبة الوجود نوعًا (وهو القول بقدم الطبيعة).
وللأسف بعض المسلمين وقعوا بها وجزموا بطرد الاستقراء زمانيّا ومكانيّا خارج حيز العادة (وهي الجزء المرصود من الكون) بشكل متعسف (على تفاوت في الجزم في اطراد جميع القوانين فيه على نفس الوتيرة)، وزمانيّا أي قبل التاريخ المدون وبعده والخ.
فلا يوافقون على لوازم هذا المنهج المتعسف في الطرد وهو الطرد المطلق المؤدي للإلحاد، ولكنهم يوقفونه عند حد اعتباطي لا دليل عليه.
ويلزمهم:
● إما الوقوف عند حيز العادة فعلا حتى يأتي الدليل المعتبر على تمديده.
● أو السماح لأي أحد أن يمددها كما شاء وهذا يفتح الباب للملاحدة لكي يمددوه من الأزل وإلى الأبد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"لأن هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين وعقوبته للمنذرين فانه أمر مشاهد فلن يوجد منتقضا.
وقد أراد بعض الملاحدة كالسهروردي المفتول في كتابه المبدأ والمعاد الذي سماه الالواح العمادية أن يجعل له دليلا من القرآن والسنة على إلحاده فاستدل لأن هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين وعقوبته للمنذرين فانه أمر مشاهد فلن يوجد منتقضا.
وقد أراد بعض الملاحدة كالسهروردي المفتول في كتابه المبدأ والمعاد الذي سماه الالواح العمادية أن يجعل له دليلا من القرآن والسنة على إلحاده فاستدل بهذه الآية على أن العالم لا يتغير بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب لأنها عادة الله فيقال له انخراق العادات أمر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثا وباطلا بل لأجل الجزاء فكان هذا من سنته الجميلة وهو جزاؤه الناس بأعمالهم في الدار الآخرة كما أخبر به من نصر أوليائه وعقوبة أعدائه فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة وهو لم يخبر بان كل عادة لا تنتقض بل أخبر عن السنة التي هي عواقب أفعال العباد بإثابته أولياءه ونصرهم على الأعداء فهذه هي التي اخبر لن يوجد لها تبديل ولا تحويل كما قال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} .
وذلك لأن العادة تتبع أرادة الفاعل وإرادة الفاعل الحكيم هي أرادة حكيمة فتسوى بين المتماثلات ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل وهو إكرام أهل ولايته وطاعته ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين فهذه السنة تقتضيها حكمته سبحانه فلا انتقاض لها بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره فذاك تغييره من الحكمة أيضا ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل لكن في هذه الآيات رد على من يجعله يفعل بمجرد أرادة ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح فان هؤلاء ليس عندهم له سنة لا تتبدل ولا حكمة تقصد وهذا خلاف النصوص والعقول فإن السنة تقتضي تماثل الآحاد وأن حكم الشيء نظيره فيقتضي التسوية بين المتماثلات وهذا خلاف قولهم."
- الرد على المنطقيين
فالصواب: أن السنن من حيث هي سنن تابعة لإرادة الله وتقبل لذاتها التغيير فإما أن يكون في حكمة الحكيم أن يغيرها أو لا، واذا قيل لا فهذا لا يعلم إلا بالوحي، وإن قيل نعم فهو إما تقرير قابليتها أن تتغير ومعلوم تعلق قدرة الله بذلك وهو الذي خلقها سبحانه بعد أن لم تكن أصلًا، أو حصول تغيرها بالفعل سواء علم بالخبر الشرعي (القصص) أو التواتر المنتهي إلى الحس.
في الترتيب التحكمي لمراتب المعارف عند الفلاسفة:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وإذا تصور معنى الحسن والقبح علم أن هذه المشهورات من أعظم اليقينيات فإنها ما اتفقت عليها الأمم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق الناس على هذه أعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم كقول القائل النفي والإثبات لا يجتمعان وان يعلم أن هذا الشيء المعين إذا كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لأكثر الناس ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك."
- الرد على المنطقيين
فكثير ما يحصل بين الفلاسفة أن يقدم نوع من المعارف على نوع آخر أظهر منه وأولى بالتقديم!
فيدّعي الفيلسوف أن هذا النوع يقبل الإبطال بذلك النوع، مع كون النوع الذي يعمد لإبطاله أظهر في فطر الناس وبدائه عقولهم من النوع الذي رام تثبيته كمعيار للقبول والرد، بل قد تكون الضرورة التي يريد إبطالها أظهر في الفطرة من النوع الثاني ومن المعيار الذي وضعه للتفريق بين النوعين كذلك!
كقوله مثلًا إن النظريات الحديثة تثبت أن نفس الجسم يمكن أن يكون في مكانين في نفس الوقت!
فهذا يعارض ضرورة كون الشيء الواحد في نفس محل ذاته لا في غيرها، وأنه هو هو وليس هو اثنين منفصلين مكانيّا فيصبح 1 = 2، وأن هذا من تعريف كلمة "واحد" أنها منتزعة من الجسم الواحد المباين لغيره حسيّا
بل لو أتيت بكرتين متشابهتين بالتمام والكمال ليس بينهن أي فارق ملحوظ وأتيت بطفل وأخبرته أن ما يراه هو كرة واحدة في مكانين لا كرتين لاعتبرك مجنون!
هذه الضرورة أظهر بكثير من جميع تفسيرات ميكانيكا الكم من بابها! وهي التي أغلبها لا يكون إلا مشاهدات غير مباشرة مليئة بالكيانات المفترضة التي لم يتم التحقق منها بالحس المباشر (شرح ذلك قد أطلنا النفس فيه في تعليقنا على كتاب معيار النظر في قناة سراج).
ودونك أيضًا هذا المثال الصارخ، قول القائل: العدل حسن بمعنى أنه صفة كمال لفاعله، نافع للمفعول به (أي من أعطي حقه بعدل العادل) وأن فاعله يستحق المدح وفاعل الظلم يستحق الذم والعقاب.
هذا المعنى من أوضح وأبده المعاني الفطرية التي لا يجهلها أحد البتة، ولا يصعب شرحها لأحد حتى لو كان طفلًا صغيرًا.
هذه يعتقد كثير من الفلاسفة أنها ليست فطرية ولا ضرورية، بل ربما لا قيمة معرفية لها البتة! بل هي قضية من قضايا الوهم، بينما كثير من ضروراتهم المزعومة الفاسدة التي تخفى على كل الناس التي لا تعلم إلا بدقيق النظر، قد يتهمونك على عقلك إن أنكرتها.
وكتشكيك المثاليين بالعقل المسؤول عن فهم الحواس (ولا أقول الحواس، لأن الحواس مجرد ناقل، ولكن هناك ملكة عقلية في الإنسان للتعامل مع الجزئيات الحسية وفهمها بشكل إجمالي متطور يتحسن كلما تراكمت المعرفة عنده)، مقابل العقل المسؤول عن التعامل مع المجردات الذي يرفعونه لدرجة إلهية!
مع أن هذا خلاف الفطرة فإن أكثر الناس يثقون بالحسيات أكثر من النظريات، بل مهما كان النظر قويّا يبقى اليقين الأكبر هو في المعاينة الحسية المباشرة لنتيجة النظر (عين اليقين).
هذا أصل عظيم ومهم وهو تقديم ما يقدمه العقل الفطري الصحيح فعلًا وتأخير ما يؤخره دون تقليد في العقليات.
في التفريق بين الضروريات البديهية التي في من لوازم الإنسانية، والنسبية بحسب الزمان والمكان
يقول شيخ الإسلام:
في بيان كون الموجب لاعتقاد هذه المشهورات من لوازم الإنسانية
النوع السادس: أن يقال: لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم فان المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه الأمم وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية فان الأمم لم تشترك كلها في غير لوازم الإنسانية.
- الرد على المنطقيين
شيخ الإسلام ابن تيمية ابن تيمية يقول بنسبية الضرورات والأوليات لأنه يراها أنها لا تنسب لنفس القضية وصفاتها لأنها لا تقوم بنفسها أصلًا، بل صفة الأولية والضرورة تنسب لحال العارف بالمعرفة المعينة، فيراها أنها من النسب والإضافات. لكن هل هذا يلغي وجود نوع من المعارف مشتركة بين كل البشر؟ أبدًا، لكن يغير في سبب الاشتراك، فسبب الاشتراك هو محل النزاع، هل هو لطبيعة نفس القضية، أم لطبيعة في نفس العارف تقتضي ظهور نوع معين من القضايا في حقه أسبق من باقي القضايا؟ والصواب هو الثاني، فإن ابن تيمية يرى أن من المعارف ما يكون من لوازم الإنسانية وتشترك به جميع الأمم، وسبب الاشتراك هو الاشتراك في الخلقة وفي أسباب المعرفة، فجميعهم يملكون السبب التام لمعرفتها بطبيعتهم، مثل كون كل البشر يمتلكون أسباب العلم بوجود الشمس والسماء، والجوع والعطش والحب والبغض، ومثل ذلك وجود الله سبحانه (الخالق)، ومعنى الأم والأب والخ.
في مسألة التنزل للخصم في المناظرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والمجادلة بعلم كما أن الحكمة بعلم وقد ذم الله من يجادل بغير علم فقال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}
والله لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم إن لم تكن علمًا فلو قُدّر أنه قال باطلا لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل لكن هذا قد يُفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه لا لبيان الدعوة إلى القول الحق والقرآن مقصوده بيان الحق ودعوة العباد إليه وليس المقصود ذكر ما تناقضوا فيه من أقوالهم ليبين خطأ أحدهما: لا بعينه فالمقدمات الجدلية التي ليست علما هذا فائدتها وهذا يصلح لبيان خطأ الناس مجملا."
- الرد على المنطقيين
فالصواب في مسألة التنزل (التسليم الجدلي)، أنه من باب دفع اللزوم على كلا التقديرين أو بيان تناقض الخصم في لوازم قوله
ولكن يجب أن يوضح سياق الكلام ذلك، وهذا لا ينبني عليه إثبات الحق إلا عن طريق برهان الخلف، بمعنى إذا كانت القضية دائرة على السلب والإيجاب والقسمة الحاصرة، فإن ثبت بطلان قول خصمي فهذا برهان صحة قولي.
ولكن هذا لا يفيد في كثير من القضايا التي يتصور فيها قول ثالث، وبالتالي لا يكفي إبطال قول الخصم في إثبات قولك ويلزمك بعد ذلك تقديم دليل صحة مذهبك.
وكذلك صحة جزء المذهب قد لا يستلزم صحة المذهب كله، فهذه أمور غالبا ما يُغفل عنها في النقاشات اليوم مما يجعلها عقيمة.
وأكبر مثال على فساد نتج عن التغافل عن هذه المقدمات هو أن بنيت مذاهب كاملة في إثبات الصانع على التنزل مع قول الخصم كأن يقول قائل (نحن نقبل نظرية الانفجار العظيم تنزلا لكي نلزمهم بوجود الصانع)
ثم ماذا؟ هل ستبين لهم فسادها وتعطيه الأدلة الصحيحة؟ لا.. فقد وصل للإيمان المطلوب بوجود الصانع كيفما كان وانتهى فلماذا أبين له بطلان ما بنى عليه إيمانه بعد ذلك؟!
وهذا فساد عظيم دخل على الساحة الدعوية، نسأل الله التوفيق والسداد للجميع
في الوجود
هل المثاليين هم الذين يقولون بأن الزمان والمكان أمور مقدّرة ذهنيّا (نسب) بين الموجودات العينية (ولها منشئ انتزاع وجودي بالطبع)؟
لنرى جواب شيخ الإسلام ابن تيمية:
"كان أصحاب فيثاغورس يظنون أن الأعداد والمقادير أمور موجودة في الخارج غير المعدودات والمقدرات.
ثم أصحاب أفلاطون تفطنوا لفساد هذا وظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المعلقة.
ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا ذلك أيضا في المادة والمدة والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الأولية التي غلطهم فيها جمهور العقلاء من إخوانهم وغير إخوانهم وأثبتوا مدة وجودية خارجة عن الأجسام وصفاتها وأثبتوا خلاء وجوديا خارجا من الأجسام وصفاتها"
- الرد على المنطقيين.
وفي الحقيقة كما ذكرنا وقبلنا كثير من فلاسفة العلوم، أن قبول نظرية ما أو قبول معادلاتها لا يستلزم قبول تصوراتها الغيبية في ما وراء المحسوس بل ولا حتى مطابقة البرادايم الفكري الخاص بها بحذافيره للواقع، وأشهر ما يمثلون به هو نظرية نيوتن ومعادلاتها ثم نسبية اينشتاين.
مسألة في اللوازم الضرورية للصفات وتطبيقها على لزوم "اللون، النور" من الرؤية الحسية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ثم إذا اختلف الناس في ما يجوز رؤيته فقال بعضهم المصحح للرؤية أمر لا يكون إلا وجوديا محضا فما كان وجوده أكمل كان أحق أن يرى وقال آخر بل المصحح لها ما يختص بالوجود الناقص الذي هو أولى بالعدم مثل كون كل الشيء محدثا مسبوقا بالعدم أو ممكنا يقبل العدم كان قول من علل إمكان الرؤية بما يشترك فيه القديم والحادث والواجب والممكن أولى من هذا فان الرؤية وجود محض وهي إنما تتعلق بموجود لا بمعدوم فما كان أكمل وجودا بل كان وجوده واجبا فهو أحق بها مما يلازمه العدم ولهذا يشترط فيها النور الذي هو بالوجود أولى من الظلمة والنور الأشد كالشمس لم يمتنع رؤيته لذاته بل لضعف الإبصار فهذا يقتضى أنا نعجز عن رؤية الله مع ضعف أبصارنا ولهذا لم يطق موسى رؤية الله في الدنيا لكن لا يمتنع أن تكون رؤيته ممكنه والله قادر على تقوية أبصارنا لنراه.
وإذا قيل هي مشروطة بـ "اللون والجهة" ونحو ذلك مما يمتنع على الله قيل له كل ما لا بد منه في الرؤية لا يمتنع في حق الله فإذا قال القائل لو رؤى للزم كذا واللازم منتف كانت إحدى مقدمتيه كاذبة وهكذا كل ما اخبر به الصادق الذي اخبر بأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر كل ما اخبر به وظن الظان أن في العقل ما يناقضة لا بد أن يكون إحدى مقدماته باطلة.
فإذا قال لو رؤى لكان متحيزا أو جسما أو كان في جهة أو كان ذا لون وذلك منتف عن الله قيل له جميع هذه الألفاظ مجملة لم يأت شرع بنفي مسماها حتى تنفى بالشرع وإنما ينفيها من ينفيها فيستفسر عن مراده إذ البحث في المعاني المعقولة لا في مجرد هذه الألفاظ." - الرد على المنطقيين (339)
تصحيح مفهوم فاسد عن الغيبيات:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وكون الشيء غائبا وشاهدا أمر إضافي بالنسبة إلينا فإذا غاب عنا كان غيبا وإذا شهدناه كان شهادة وليس هو فرقا يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشهد ولا تحس بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يشهد بحال فإنما يكون في الذهن.
والملائكة يمكن أن يشهدوا ويروا والرب تعالى يمكن رؤيته بالأبصار والمؤمنون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت النصوص في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها."
- الرد على المنطقيين
فالأمر الغيبي هو بالنسبة للعارف المعين وإلا فهو ليس بغيبي بحد ذاته فإن كون الشيء مجهولًا أو معلومًا هو صفة لنفس العارف لا لنفس المعروف، ولا شيء غيبي بالنسبة لله سبحانه، بل يقال كذا غيبي عن الفرد المعين أو الجنس المعين لقصور في معرفتهم سواء كان قصور مؤقت زمانيّا أو لا، أو محدود مكانيّا أم لا.
ومن الخطأ الجزم بأن الغيبي يلزم ألا يكون من جنس الموجودات في هذا العالم لمجرد كونه غيبي، أو من مادة مخالفة لمادة هذا العالم بحيث توصف بصياغات قانونية "قوانين الطبيعة" مختلفة عن الموجودة في الشاهد، بل الصحيح أنها قد تكون مشابهة وقد لا تكون.
فالصواب وسط بين إفراط وتفريط، فالتفريط هو كجزم بعض القائلين بـ "لامادية الغيبيات" وهم من يجزمون بمخالفة كل ما يوصف بأنه غيبي لطبائع الموجودات في الشاهد من كل وجه حتى أن بعضهم قد لا يصف حتى بلوازم الوجود الضرورية كقابلية الحس والامتداد المكاني والزماني!.
وقوم آخرين أصحاب إفراط: وهم الملاحدة الطبيعيين: الذين يمددون الاستقراء الناقص الذي هو فقط في حيز العالم المشهود زمانيّا ومكانيّا وليس عندنا مستند معرفي يقيني نجزم باطراد تلك القوانين خارجه أو حتى لنقدم كم يمتد هذا الاطراد إلى ما بعد حدود استقرائنا مكانا وزمانا، لكنهم يجزمون أن كل ما غاب عنهم مشابه باطلاق لما شاهدوه نوعًا من جهة أنه يمكن اكتشافه بنفس الأدوات والأقيسة والمنهج وأنه يمكن تصويره ذهنيّا بنفس المعاني الكلية المنتزعة من الشاهد في غير القدر المشترك الضروري من معنى الوجود.
ويرد شيخ الإسلام على هؤلاء بقوله:
"العادة التي هي من جنس قياس التمثيل لما يعلمونه من الحكم الكلى لا فرق بينه وبين قياس الشمول وقياس التمثيل وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو أيضا حكم كلى.
وإن قيل أن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه القوة وأن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إذا قيل أنه صحيح قيل أنه لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه وإن كان هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص ومعلوم أن كل من قال أن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ فانه لا بد من كون المحل قابلا للإحراق إذ قد علم أنها لا تحرق كل شيء كما لا تحرق السمندل والياقوت وكما لا تحرق الأجسام المطلية بأمور مصبوغة وأما خرق العادة فمقام آخر.
ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها" - الرد على المنطقيين
في حقيقة الماهية
وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود هو نفس ما يكون في الخارج منه وهذا فرق صحيح فان الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهذا باطل.
ومعلوم أن لفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج فمتى أريد بهما ما في النفس ف الماهية هي الوجود وإن أريد بهما ما في الخارج ف الماهية هي الوجود أيضا وأما إذا بأحدهما ما في النفس وبالآخر ما في الوجود الخارج ف الماهية غير الوجود. - الرد على المنطقيين (ص: 67)
خلط الفلاسفة ما في الأذهان بما في الأعيان
كان أصحاب فيثاغورس يظنون أن الأعداد والمقادير أمور موجودة في الخارج غير المعدودات والمقدرات. - الرد على المنطقيين (ص: 66)
ثم أصحاب أفلاطون تفطنوا لفساد هذا وظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المعلقة.وهذا شبيه بما يصطلح عليه اليوم الملاحدة باسم "الطببيعة" وينسبون لها الكمالات والصفات الالهية وهي نوع وليس شيء قائم بنفسه في الخارج، إنما في الخارج أشياء طبيعية متفرقة بطبائع مختلفة، ولو استفصلت منهم لقالوا هذا على سبيل المجاز ولكنهم ينسون أنفسهم ويوحدونها بالوجود والفعل حرفيّا والخلق والتدبير حرفيا.
ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا ذلك أيضا في المادة والمدة والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الأولية التي غلطهم فيها جمهور العقلاء من إخوانهم وغير إخوانهم وأثبتوا مدة وجودية خارجة عن الأجسام وصفاتها وأثبتوا خلاء وجوديا خارجا من الأجسام وصفاتها وتفطن أرسطو وذووه أن هذه كلها أمور مقدرة في الأذهان لا ثابتة في الأعيان كالعدد مع المعدود ثم زعم أرسطو وذووه أن المادة موجودة في الخارج غير الصور المشهودة وأن الحقائق النوعية ثابتة في الخارج غير الأشخاص المعينة وهذا أيضا باطل كما بسط في غير هذا الموضع وبين أن قول من يقول أن الجسم مركب من الهيولى والصورة باطل كما أن قول من يقول أنه مركب من الجواهر المفردة باطل وأن أكثر فرق أهل الكلام من المسلمين وغيرهم كالكلابية والنجارية والضرارية والهشامية وكثير من الكرامية لا يقولون بهذا ولا بهذا كما عليه جماهير أهل الفقه وغيرهم.
قضايا متنوعة
حال الفلاسفة في التعامل مع تأثير الملائكة في الطبيعيات:
"وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرا في العالم في الشر من هذا كله وجاهلون بملائكة الله الذين يجرى بسببهم كل خير في السماء والأرض."
- - الرد على المنطقيين
قلت: رحمك الله يا شيخ الإسلام لو رأيت من ينتسبون لأهل الحديث اليوم وهم يسخرون ممن يجعل الملائكة أسبابًا غيبية وراء القدر المشاهد من الأسباب المحسوسة خلف الظواهر موافقةً للكتاب والسنة وينسبونه لتفاسير "القرون الوسطى"!
الفلاسفة يجعلون وظيفة الأديان رعاية مصالح المدن والمجتمعات الدنيوية وحسب:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم ولهذا يرون ذلك ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية ومن دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم."
- الرد على المنطقيين
وهذا يفسر لك قول بعض من تأثر بأصل مشترك بينه وبين هؤلاء (الإنسانوية) حين يقول "رأيت إسلامًا بلا مسلمين" فبالنسبة له إن الإسلام ما هو إلا شريعة لإصلاح البيت والمدينة والدولة وهذا حاصل في بلاد الكفار بما يضمن لهم أكبر كم من اللذات الدنيوية فهذا هو الإسلام بعينه وما بقي إلا أن يقروا بأنهم مسلمين!
الفلاسفة المنتسبين للإسلام وأهل وحدة الوجود المتصوفة سبقوا أصحاب الديانة الإبراهيمية المعاصرة في وحدة الأديان!
قد يظن البعض أن الترحم على اليهود والنصارى والتضجر من وصفهم بالكفار واعتقاد صحة الإسلام ونسخه لأديانهم من التشدد والتطرف هو صنيعة هذا العصر من جهة التأثر بنسبية ما بعد الحداثة، والثقافة الإنسانوية، وكلامهم صحيح بالنسبة لزماننا لكن هؤلاء لهم سلف!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وهؤلاء المتفلسفة ومتصوفوهم كابن سبعين وأتباعه يجوزون أن يكون الرجل يهوديا أو نصرانيا أو مشركا يعبد الأوثان فليس الإسلام عندهم واجبا ولا التهود والتنصر والشرك محرما لكن قد يرجحون شريعة الإسلام على غيرها وإذا جاء المريد إلى شيخ من شيوخهم وقال: "أريد أن اسلك على يديك" يقول له: "على دين المسلمين أو اليهود أو النصارى" فإذا قال له المريد: اليهود والنصارى أما هم كفار؟ يقول: لا ولكن المسلمون خير منهم" وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا فان الإسلام عندهم خير من غيره وإن كان غيره جائزا لا يوالون عليه ويعادون عليه."
- الرد على المنطقيين.
وسبحان الله تشابهت قلوبهم فكما وصف شيخ الإسلام، أنهم ينفرون من الولاء والبراء على وصف الإسلام والكفر! بل في زماننا هذا تفوقوا فلم يعودوا يقولون بتفوق شريعة المسلمين على غيرها من الشرائع بل صار بعضهم يصرح بتفضيل شريعة أخرى عليها، وبعضهم هذا لسان حاله.
المشترك بين الفلاسفة الإسلاميين والعلمانية المتسامحة
يحكي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مذهب الفلاسفة في النبوات فيقول:
"فيقولون أن الأنبياء لم يذكروا حقائق الأمور في معرفة الله والمعاد وإنما اخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق ويقولون أنهم أرادوا بخطابهم للناس أن يعتقدوا الأمور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة الناس وهم يعلمون هذه المرتبة ثم النبي عندهم هل يعرف الأمور العلمية فيه نزاع بينهم.
وهم يعظمون محمدا صلى الله عليه وسلم يقولون لم يأت إلى العالم ناموس أفضل من ناموسه ويفضله كثير منهم على الفيلسوف ومنهم من يفضل الفيلسوف عليه، وهم حائرون في أمور الأنبياء ولهذا كلامهم في الأنبياء في غاية الاضطراب ولم ينقلوا عن أرسطو واتباعه فيهم شيئا بل ذكروا من كلام أفلاطون وغيره في النواميس ما جعلوا به واضعي النواميس من اليونان وغيرهم من جنس الأنبياء." انتهى
- الرد على المنطقيين
والعلمانية المتسامحة التي هي صورة من صور التطبيق العملي للإلحاد الإنسانوي، حيث أنه لا يعادي التديّن الفردي، ولكنه يعادي أي صورة عملية للدين من النوع الذي يكون مبنيّا على اعتقاد صحة الدين، مثل مطالبته بحكم الدول، تشريع القوانين، الخ، لماذا؟
لأنهم كسابقهم من الفلاسفة يعاملون الأنبياء على أنهم لا يأتون بالحقائق (وهذه يصرح بها بعض العلمويين الانسانويين حيث يفرقون بين الدين والعلم من جهة معرفية حتى يحلوا مشكلة التعارض بين العلم والدين فيقولون العلم مسؤول عن المعرفة والدين مسؤول عن العمل "الأخلاق الفردية")، فالنبي مجرد واضح ناموس (قانون)، هو مناسب لزمان معين ومكان معين بل قد يتفوق الفيلسوف عليه وبالنهاية فجنس كلامه من جنس كلام الفيلسوف في هذا الباب.
ولازم ذلك أن لا يصبح ناموس النبي صالح لكل زمان ومكان إذ هو ليس مبني على حقيقة إلهية "أوامر إلهية هي حقائق مطابقة للواقع في نفس الأمر"، ولهذا لاحقًا سينحى ناموس هذا النبي إلى ناموس غيره من الفلاسفة إذا أثبت تفوقه عليه، وقد يقال لكن ما معيار التفوق هنا وما تعريفه؟ فيقال حتى هذا المعيار لست مطالبًا أن تأخذه من الرسول لأنه كما ذكرنا ليس له أي مزية معرفية بل الأولى أن تأخذه من الفيلسوف.
وعلى كلّ، فهؤلاء وإن أظهروا قبول واحترام الدين والتدين فهم يقبلونه ككمارسة فردية فينقلونه من خانة الـ Ethics "المعايير الأخلاقية" إلى "Morals الآداب الذوقية".
ولذلك تجد أن العلماني المحافظ قد يبقى متعصب لمظاهر دينه ضد باقي الأديان حتى لو لم يكن هو نفسه مؤمنًا به، لأنه يمثل له هوية قومية، تاريخية تشكل الذوق والثقافة ولا إشكال عنده في ذلك.
لكن الإشكال أن يتسرب إلى المسلم فيصبح دفاعه الأول عن مظاهر دينه أن يقال "هذا حفاظ على هوية الدولة التاريخية"، وهذه ثقافتنا، وهذا ما يسمى بالخطاب "المحافظ" مقابل "الأصولي" الذي يعتمد على نصوص يعتقدها حقائق ملزمة وبرهانية وليس مجرد قيم ثقافية عملية محضة أشبه بالعادات والتقاليد.
ما انتقيته من اقتباسات
بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ما يحصل ب قياس التمثيل فلا يمكن قط أن يحصل بالقياس الشمولى المنطقي الذي يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل ب قياس التمثيل الذي يستضعفونه فان ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك وهذا يحصل ب قياس التمثيل." - شيخ الإسلام ابن تيمية، الرد على المنطقيين.
"إن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها ومبنى السمع على تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم" -شيخ الإسلام ابن تيمية، الرد على المنطقيين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فان مراد الله ورسوله بالعلم الذي يمدحه ليس هو العلم النظري الذي هو عند فلاسفة اليونان بل الحكمة: "اسم يجمع العلم والعمل به في كل امة" قال ابن قتيبة وغيره: "الحكمة عند العرب العلم والعمل به" وسئل مالك عن الحكمة؟ فقال: "هو معرفة الدين والعمل به" - الرد على المنطقيين
سبب نزول قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا}
ذكر السدي عن أشياخه في تفسيره المعروف قال: "نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر أصحابه فأخبره فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ويشهدون انك ستبعث نبيا فأنزل الله هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فقال: "كان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وبسنة موسى حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة واخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا" قال ابن أبي حاتم: "وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا".- الرد على المنطقيين
تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ} قال: "وأيضا فالقرآن ليس فيه أنه قال: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل" بل قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ} وذلك لأن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به وأما أن يعرفه ولا يعمل به وأما أن يجحده فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به والثاني: أن يعرفه لكن نفسه تخافه فلا توافقه على العمل به والثالث: من لا يعرفه بل يعارضه فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فأن الحكمة هي اللم بالحق والعمل به فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة والثاني: من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فأن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وان عرفته فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا. وأما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال وجادلهم فجعله فعلا مأمورا به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن وقال في الجدال بالتي هي أحسن ولم يقل بالحسنة كما قال في الموعظة لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعا لم يحتج إلى مجادلة فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن. والمجادلة يعلم كما أن الحكمة بعلم وقد ذم الله من يجادل بغير علم" - الرد على المنطقيين
"حصر أقسام المدعوين من دون الله ونفي كل واحد منهم:
قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}
فذكر سبحانه الأقسام الممكنة فإن المشرك الذي يدعو غير الله ويرجوه ويخافه إما أن:
- يجعله مالِكًا
- أو شريكا
- أو ظهيرا
- أو شفيعا
وهكذا كل من طلب منه أمر من الأمور إما أن يكون مالكا مستقلا به وإما أن يكون شريكا فيه وإما أن يكون عونا وظهيرا لرب الأمر وإما أن يكون سائلًا محضًا وشافعًا إلى رب الأمر فإذا انتفت هذه الوجوه امتنعت الاستغاثة به."
"وليس عند الحنفاء أن أحدا غير الله يستقل بفعل شيء بل غايته أن يكون سببًا والأثر لا يحصل إلا به وبغيره من الأسباب وبصرف الموانع والله تعالى هو الذي يخلق بتأثير الأسباب وبدفع الموانع مع خلقه سبحانه أيضا لهذا السبب لكن المقصود أنه ليس في الوجود ما يستقل بإحداث شيء ولا ثم شيء يوجب كل اثر إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن."
"فليس لأحد أن يتكلم بلا علم بل يحذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم وفي العقليات بلا علم فان قوما أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة فكان ما فعلوه مما جرا الملحدين اعداء الدين عليه فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا. وأقوام يدعون أنهم يعرفون العلوم العقلية وأنها قد تخالف الشريعة وهم من أجهل الناس بالعقليات والشرعيات وأكثر ما عندهم من العقليات أمور قلدوا من قالها لو سئلوا عن دليل عقلي يدل عليها لعجزوا عن بيانه والجواب عما يعارضه ثم من العجائب أنهم يتركون اتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ثم يقلدون في مخالفة ما جاءوا به من يعلمون هم أنه ليس بمعصوم وانه قد يخطىء تارة ويصيب أخرى." - الرد على المنطقيين
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا منفعة" - الرد على المنطقيين
"وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على شيء من الأقيسة بل يعلم بالآيات الدالة على شيء معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر " - الرد على المنطقيين.