الغيث الشامي

في فلسفات الأخلاق، هل معاييرنا الأخلاقية عفوية؟

حواشي على كتاب "أزمة الفلسفة الأخلاقية" أقدم فيها نظرة نقدية لعدة نظريات أخلاقية معيارية/ وصفية.

الفلسفات الأخلاقية محل النقد

العواقبية والدوافعية

العواقبية المحضة: وهي أن تكون الافعال لا تفترق بقيمة ذاتية عن غيرها ولا في العزم على الأفعال الأخلاقية فضلٌ أخلاقي لصاحبه، ولا يكون الشخص ممدوحًا أخلاقيا إلا بعد تمام فعله والنظر في عواقبه، بل كلها من حيث الاصل سواء ولكن العاقبة من اللذة والالم العائدة للشخص هي الحاكمة عليها بالقبح والحسن في حقه فقط.

الدوافعية وهي نوعان:

  • واجبة صارمة: (مثل كانط ونظريته المشهورة بأخلاق الواجب) تنظر للدافع والضمير فقط بدون النظر إلى العواقب وتستند إلى معايير مثالية لتقييم الأفعال.
  • واجبية مرنة: ترى أن هناك واجبات مبدئية ولائحة صارمة من القوانين الأساسية الأخلاقية، لكنها نسبية بحسب الواقعة والفاعل والفعل والمفعول به والزمان والمكان وقدرة الفاعل وما أكمل خير ممكن وتنظر إلى العاقبة أيضًا بوصفها اختبارًا تجريبيّا لصحة القرار والدافع الأخلاقي.

والمرنة قريبة جدا من نظرة أهل السنة والجماعة الأخلاقية.

فالأفعال الحسنة عند أهل السنة حقيقتها أنها: 

سببيات مؤثرة بالتعريف تكسب نوعا من الكمالات فإما أن يغلب نفعها او ضرها (ويعتبر فيها الفعل والفاعل والقابل والسياق) وشبهها ابن القيم بالأدوية أو المواد النافعة أو الضارة، فحتى لو كان الدواء ضارا لأحد فهذا لتغير المحل القابل مع بقاء مادة النفع فيه وفي طبعه، ولو ضربنا بالمثال بالتعليم، ففيه اكساب صفة كمال للمتعلم، ونابع عن كمال وجودي في المعلم، وهي العلم وكذلك قدرته على اكساب غيره العلم (يهدي غيره) وفيه نفع المتعلم والخ ولذة له، وهذا كله راجع لتعريف فعل التعليم وهذا في كل العوالم الممكنة لأنه هكذا بالتعريف.
والتحسين والتقبيح الموضوعي هو ملكة فطرية (وبعض فروعها نظري) لإدراك هذه الصفات وكونها كمال أو نقص وجودي أو عدمي وتقتضي نفع الغير أو ضره وتعود على الفاعل بالمدح أو لا، وهل يخضع الفاعل للضرورة أم لا.

فمنهج أهل السنة فيه تناغم بين الدافع المعنوي الحسن لذاته لسلوك فعل معين وبين عاقبته فترى انه لا بد ان فعل الحسن يؤدي للحسن إلا اذا ظهر خلاف ذلك بشكل واضح (وهذا ومبني على أن الله سبحانه الحكيم لا يرتب على الحسن إلا الحسن ولا يرتب على القبح والفساد إلا عاقبة من جنسه) فلا يجعل المحسنين كالمجرمين وهذه معرفة شرعية  وعقلية فطرية معتبرة. 

ولا معنى لاعتقاد حسن معانٍ لذاتها دون الاعتقاد الملازم لذلك من وجود الباري كامل الصفات وأنه متصف بأكمل صورها كذلك (وهذا لا يلزم منه أن دافعنا في عملها هو "التشبه بصفات الإله" هكذا بإطلاق بل للأمر تفصيل شرعي فهذه جملة صيغت صياغة قبيحة لكن معناها قد يحمل معاني صحيحة ومعاني باطلة ونحن وسط بين العواقبيين الذين لا يرون جملًا أخلاقية واجبة في الأصل ولها استثنائات عند الضرورة (أي قيمة معينة أو فعل معين حسن بشكل جوهري - كمال - ) والمثاليين كذلك الذين لا يربطون بين الكمال والخير والنفع بل يجعلون المسألة ذهنية محضة لا علاقة لها بالكمال الوجودي أو النفع أو الخير في العاقبة.

ومن باب الاستطراد من باب أن الخاطرة عفوية نوعًا ما، ففي غياب الاله تصبح القيمة الجوهرية للافعال دائما مهملة ومعطلة ولا قيمة واقعية لها أبدًا، حيث أن إدراك العقل حينها لمعاني حسنة في ذاتها يكون بحد ذاته موضع شك معتبر وتعميم لا مستند له، وبنفس الوقت تكون معاني مثالية لا معنى لتعلقها بحب كيان كامل لها لكونه يحب الأمور الحسنة ويكره الفواحش والقبائح ويضع الأمور موضعها فلا يرتب على الفساد إلا الفساد ولا يرتب على الصلاح إلا الصلاح وبالنسبة للإنسان فلا معنى لكون الشيء أخلاقيّا إن لم يترتب عليه على الأقل عاقبة حسنة له ولغيره ويكون فيها المصلحة الأخلاقية الأقصى التي يمكنه أن يحققها وهذا وهم كبير في غياب الجنة والنار والحساب الأخروي وعدل الباري سبحانه وتعالى الواجب له بداهة وضرورة وشرعًأ.

فإن قيل إن  القيمة الجوهرية للأخلاق اساسا مرتبطة ارتباطا لا انفكاك منه بالعواقب قلنا:

سلمنا لكم ذلك ولا شك، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالفعل قد يكون يؤدي للذة عاجلة ومضرة آجلة، أو لذة شخصية ومضرة جماعية، فلابد من نظام حاكم معياري للترجيح بين العواقب فلا يكون الترجيح هو الهوى المحض.

نحن نقول إن كل حسن ذاتي أي كمال وجودي في الفعل لا بد أن يؤدي إلى نفع خارجي حسي لأنه بطبعه كمال يؤدي إلى معنى يعود على صاحبه بالمدح (معنى حسن منتزع من وجوديات) ولأن الله سبحانه لحكمته يرتب على الأفعال الحسنة عواقب حسنة ويثيبهم عليها مثوبة لا تجعل النفع الحاصل من أفعالهم مهمل أمام معارضات خارجية قد تكون عاقبة غير مباشرة للفعل نتيجة لتفاعله سببيّا مع محيط خارجي قد يؤدي إلى تحول هذا النفع إلى ضر محض، فمثلًا لا يأمر عباده بالتوحيد الذي فيه نفع محض ثم يرتب على ذلك الأذى والابتلاء الدنيوي بدون جزاء أخروي أكبر وأنفع.

فتصبح القيمة الجوهرية للفعل متناغمة مع العاقبة أما في الالحاد فلا معنى لقيمة جوهرية، فمهما كان الفعل في نفسه سببًا مباشرًا للنفع سواء النفسي أو الجسدي فقد تترتب عليه عند دخوله مع تفاعلات واقعية مضار وشر مجاني لا تعويض عليه، فالذي يموت شهيدًا لأجل وطنه ثم إلحاديّا سيفنى ولن يعوض على شجاعته وبذله وقوته التي هي صفات كمال مفيدة للغير وتعود على فاعلها بالمدح!

بالتالي لا معنى لاخلاق اجتماعية كهذه إذا كان الفرد سيتضرر مضرة كبيرة لا تعويض لها لأجل الآخرين، ستغدوا كمالات وأخلاقيات مثل التضحية لا معنى لها البتة، فمهما كنت بطلًا شجاعًا فموتك ليس أهم من موت أي حشرة، بل سمها اخلاق او لا تسمها إن شئت بالنهاية الامر كله راجع للنسبية الذوقية والمصلحة الفردية والميول والقبول الاجتماعي والتربية وهي كما ترى لا يمكنها تكوين أي قاعدة ملزمة للبشر جميعهم والانقياد لها أيضًا راجع للذائقة الفردية بالنهاية.

فنحن نقول قد يكون هناك شيء حسن لذاته قبيح لغيره وقد يكون هناك شيء حسن لذاته مطلقا لا يفوقه شيء يقلبه في تلك الحالة المعينة الى قبيح بقدر معنوي زائد عليه (كمعنى التوحيد مثلًا) وقد يكون هناك شيء قبيح لذاته حسن لغيره وشيء قبيح لا يحسنه معنى زائدًا عن حقيقته من غيره ابدا مهما حصل ولا يتصور ذلك (كمعنى الشرك مثلًأ)، وهذا كله راجع لحكمة الله سبحانه في خلق العالم وترتيبه بناء على أنه عالم للابتلاء بعده عالم للجزاء.

ولكن العواقبية المحضة تقول انه لا يوجد قيمة ذاتية للمعاني هذه من حيث الحسن والقبح بل الأمر كله يتحدد بكل حالة بحسبها مطلقا بحسب تقدير اللذة والالم الراجع من ذلك.

فلا الاصل ان تحترز من الكذب الا كانت الضرورة القصوى تلزمك بهذا السلوك في الحالة المعينة بل لا اصل بل ولا ضرورة بل المنفعة الزائدة عن الحاجة تبيح لك الكذب اذ لا حرام اصلا ولا أصل مفترض ولا قاعدة، الأمر كله راجع لميلك الشخصي (هذا في التصور الذي ينحي الدين عن المسألة الأخلاقية)، فالحمد لله على نعمة الإسلام وعلى منهج أهل السنة القويم الوسط في هذه القضية بين الإفراط والتفريط.

 

أخلاق العار

هناك قسمة في فلسفة الأخلاق مدارها حول بنية وحضور الرؤية الأخلاقية لمجتمع معين، هل هي بنية نظرية أم عملية.

فالنظرية تعتمد على كتاب معين يرجع إليه ويتم التحاكم إليه وفيه نصوص وقواعد كلية تنزل على الجزئيات بغض النظر عن مدى مرونة هذه القواعد وتجاوبها وتكيفها مع الجزئيات المتغيرة.

أما الثقافات العملية هي ثقافات موروثة بشكل عملي لا ترجع لكتاب معين ولا قواعد معينة منصوصة إنما لعرف وعادات، أي ما يسمى "سوالف البدو"، "العادات والتقاليد"، "الأصول"، إلخ.

وهذه ليست مذمومة بإطلاق بل لا يعرف مجتمع بشري يخلُ منها، لكن المقصد الآن أنها ثقافة لا تكون مبنية على دين معين بحيث تكون منصوصة في كتاب على شكل قواعد ووصايا دقيقة، إنما هي مبنية على أنك إن خالفتها فسيلحقك العار، وغالبًا لا يفكر المجتمع لفترة طويلة حول سبب كونها على ما هي عليه، فهي غالبًا ما لا تكون جميع مضامينها فطرية بل فيها أجزاء تفصيلية شعبية تخص تاريخ وثقافة هذا البلد.

والمشكلة أن البعض يقدمها على الدين مع أنها ليست شيء موضوعي إطلاقًا إلا إن كانت مستندة إلى مرجع موضوعي ثبت بدليل صحيح أن القيم المعيارية التي يقدمها يصح التحاكم إليها، كالكتاب والسنة مثلًا.

ومن مشاكلها كذلك أن أفراد المجتمع الذي يتحاكم إلى العار وهي غاية العقاب عنده قد ينتشر فيه الرياء بحيث ما إن يخرج الفرد من هذا المجتمع إلى مجتمع آخر حتى ينسلخ بالكلية من تلك القيود التي لم يكن يجد أي مسوغ للانقياد لها سوى الضغط الاجتماعي المحض.

ومع ذلك فمن باب الإنصاف، هذه الفلسفة موجودة بكثرة في المجتمعات الجاهلية ومازال لها أثر حتى في المجتمعات المتدينة، وبعضها يكون فعلا صحيح بناء على طبيعة المجتمع وما يليق فيه وما لا يليق من الأفعال، وبعضها يكون أثرًا عن الفطرة السليمة وله أصل ديني صحيح، فلا يجوز محاربة العادات والتقاليد من بابها إنما يجب محاكمتها للكتاب والسنة والمصلحة والمفسدة.

فمثلًا من العادات والتقاليد التي باتت مضرة وضررها أكبر من نفعها بكثير وهي مبنية على ثقافة العار هي احتفالات الزفاف الباذخة لأبعد حد وتبريرها الوحيد هو أنك إن لم تفعلها فسيلحقك العار.

أخلاق المجد

هذه المرة سنذكر نموذج أخلاقي سائد مجتمعيّا وهو أخلاق المجد، وهذا النوع من الأخلاقيات تضعه المجتمعات الجاهلية بشكل بديل عن الدين كنوع من إضفاء معنى لحياة أفرادها ويكون هذا المعنى ناشئًا عن الجماعة، فمثلًا تستخدمه الدولة القومية في العقيدة العسكرية للجنود.

فإن الموت في سبيل الوطن سيخلد ذكر الشهيد ويعطيه المجد بعد موته، لكن حقيقة الأمر أن هذه ليست مكافئة دنيوية مناسبة لشخص ضحى بحياته لأجل أن يدافع عن أهله وأرضه، فهذا المجد أغلبه مجد معنوي محض وحتى هذه التجربة المعنوية لن يعايشها حيال موته! (إن تكلمنا خارج إطار الدين)

والعجيب أن المجتمات تصطبغ بصورِ من صور أخلاق المجد حتى تضحي داخلةً في عاداتها وتقاليدها وتسري في عروقها، وإذا دمجت أخلاق العار مع أخلاق المجد خرج لك مجتمع جاهلي حرفيّا، فأخلاق المرء دائرة بين دفع ضرر العار، أو جلب منفعة المجد، فهي أخلاق نابعة من العرف الاجتماعي المحض وليس من النظر العقلي في مدى جدوى نفس الفعل ومدى حسنه وقبحه فعلًا بالنظر للمعطيات الواقعية المتغيرة والمتعلقة بكل قضية بحسبها، ولا عائدة لشرع حاكم ولا ثواب وعقاب آخروي ولا حكمة إلهية تبرر عدم المسائلة!،  بل ليس إلا دفع عقاب العار، أو ثواب خلود ذكرك في هذه الجماعة (المجد)

والعجيب أن بعض المجتمعات الإسلامية حتى بعد أن من الله عليها بشريعة أخلاقية معللة غائيّا بشكل كافِ من جهة الثواب والعقاب، ومفصلة جدا من جهة الأمر والنهي وتغني عن التقدير الفردي لحسن الأفعال وعواقبها بل عبثية عواقب بعض الصفات الكمالية، فمثلًا المسلم الشجاع الذي يحارب ببسالة هو شهيد، بينما الجاهلي الشجاع الذي يحارب ببسالة ليس له مكافئة سوى تخليده ببعض الأشعار وفعليا لو بقي حيّا لكان ذلك أنفع له بكثير على معيار دنيوي محض.

ويحضرني قصة أن بعض الدعاة كان ينصح شخص بأن لا يحرم ابنته من الميراث وأن هذا مخالف للشريعة الإسلامية فقال له، أنا احترم الشريعة والقران على رأسي وعيني، ولكن لا يصح إلا الصحيح! وهذه عاداتنا وتقاليدنا.

فعليّا العادات والتقاليد عندما تصبح حاكمة على الدين وفوقه وأقوى سلطة منه تصبح هي الفلسفة الإلحادية الأقوى في مواجهة الأخلاق الدينية، لكن الملحد غالبًا لا يحتج بها لعلمه بسذاجة كثير من مخرجاتها وكونها غير قابلة للنقاش العقلاني وإعادة النظر (خلاف ما يزعمه لنفسه ويحب أن يوصف به بين الناس)، فهي تسليم عبثي محض لما كان عليه الآباء، والذي يجعلها أقوى من سائر الصياغات الأخلاقية الفلسفية الأخرى هو كون الناس تلتزمها بشكل فوق قانوني، وأنهم لا يسائلونها بل هي ضابطة للمجتمعات بقوة فلن يقع بفخ النسبية واختلاف النظرات الأخلاقية داخل المجتمع الواحد، لأن المحافظين على العادات والتقاليد طاردين لأي تغيير، وكذلك لأنها تعطي معنى حياة للناس خارج الدين، لكن كما ترون، هي كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولم تعد صالحة للمجتمعات المعاصرة اذ أصبحت خليطًا من اثنيات وعرقيات وأديان مختلفة وبسبب الهجرات الكثيرة أصبحت العادات والتقاليد سائلة أكثر وبدأت تتلاشى قوتها، وأصبحت السيادة للقانون والديموقراطية (والتي عليها انتقادات كثيرة) سنأتي لها لاحقًا.

وللأسف انتشر مصطلح "محافظ" بين الناس للتدليل على أنه مازال ملتزم دينيّا، وحقيقة هذا المصطلح أنه لا يدل على ما يدل عليه مصطلح المتدين بل معناه المحافظ على العادات والتقاليد! فالفتاة لا تكون محافظة إذا ارتدت الحجاب، بل متدينة!، على أية حال، غالبًا ما يبرر المحافظين تمسكهم بالعادات والتقاليد أن بقائها حتى الآن عبر كل هذه الأجيال دليل على أنها نافعة، ولا يخفاكم سذاجة هذه الحجة الشبيهة بحجة الانتخاب الطبيعي عند الدراونة : ) فلن أطيل في دحضها حاليّا.

المذهب الانفعالي في الأخلاق

تسمع كثيرًا من المتأثرين بالخطاب الإنسانوي أو الخطاب العلماني من المنتسبين للإسلام يكثرون الاستشهاد بحديث استفتِ قلبك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) رواه مسلم (2553).

وحقيقة الأمر أن استشهادهم بهذا الحديث هو سوء تصور للحديث وللأخلاق نفسها!

قال ابن القيم رحمه الله :

"لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه ، وحاك في صدره من قبوله ، وتردد فيها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك)  .

حقيقة الأمر أن الحديث مبني على أن هناك فطرة في الإنسان وهناك استقراء ضمني يحصل للإنسان لا شعوريّا لمقاصد الشريعة ويتفاوت فيه الناس، والكلام هنا عن المقلد تحديدًا، فإن أفتاك أحدهم بفتوى شعرت أنها تخالف ما تعرفه عادةً من أحكام الدين أو تنفر منها فطرتك أو تستحي أن يراك الناس وأن تفعل موجب الفتوى (في حال كنت تعيش في مجتمع يطبق الإسلام فعلًا) فعليك أن تراجع تلك الفتوى وتنظر في الأدلة الشرعية وتحاول أن تتيقن مرة أخرى.

والقلب هنا لا يقصد به العواطف المحضة إنما يقصد به الجانب العقلاني من النفس الذي تظهر آثاره على العواطف بلا شك، لكن الكلام ليس عن الجانب العاطفي الذاتي المحض!

ولا على أن قلبك هو من سيعطيك الإجابة النهائيى، إنما قلبك هنا سيدفعك للبحث أكثر إن لم يطمئن لتلك الفتوى.

ماذا عن موضوع المقال الرئيسي ؟

مذهب مدمر للقواعد الأخلاقية! .. 

بعض المذاهب المعادية لوجود قواعد أخلاقية تشريعية ملزمة مثل الغلاة من مذهب الإنفعالية العاطفية في فلسفة الأخلاق يرى أن القواعد الأخلاقية في الحقيقة ليس لها أساس موضوعي "معياري" يمكن التحاكم إليه وإلزام الآخرين به، إنما هي تعتمد على العواطف، التي بدورها متقلبة ويسهل التأثير الخطابي والشاعري عليها لتوجيهها!.

وهذه العواطف قد تكون متضاربة ومتناقضة ومنحازة، الإسلام يرى أن الإنسان منظومة من العواطف والعقل المستنير بالنقل، وأن الكمال هو موافقة العاطفة لقوانين الشرع ونظامه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)

فلو كان النقاش الأخلاقي يمكن البت فيه فعلًا بقول القائل "أحس" و"حاسس" أن كذا هو الأخلاقي، وحاسس أن الحكم الفلاني فيه قسوة، الخ، لكان هذا المسمار الأخير في نعش القواعد الأخلاقية الملزمة.

لأن العواطف البشرية مختلفة وذاتية ومتقلبة وغير موضوعية ويمكن التأثير عليها بالخطاب الإعلامي وبروباجاندا، ونسبية بين الأفراد فالحكم ضد عدوي لن أراه قاسيًا بينما ضد صديقي سأراه قاسيّا وسيدخل عامل الجمال هنا ونراه كثيرًا عند المراهقين والمراهقات حيث يتطلبون تخفيف الحكم على الشخص الجميل ولا يكترثون بالشخص القبيح!

هذا والله أعلم

المذهب الإيثاري

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"ولهذا قال المخلصون: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) } [الإنسان: 9] فأخبروا أنهم لا يريدون من المنعم عليهم لا جزاءا ولا شكورا، ولم يقولوا: لا نريد ذلك من أحد، لا من الله ولا من غيره؛ فإن هذا إما ممتنع وإما سفاهة"
- بيان تلبيس الجهمية، الخامس.

ومن السفاهة أن يبذل الإنسان جهدا يتعب فيه نفسه بلا أي فائدة، هذا الفعل نفسه غير أخلاقي.

وإلا جاز إتعاب غيرك بلا فائدة، ولا فرق بين نفسك وغيرك في هذا الاعتبار.

فإما أن يكون التعب بلا فائدة أخلاقيا أو لا، ولو جوزت فعله لغاية أخلاقية وهي نفع الغير
فقد جوزت اتخاذ وسيلة غير أخلاقية لفعل أخلاقي وحينها لم يعد فعلك أخلاقيا محضا كما يريده أصحاب هذا المذهب.

والوجه الثاني أنه فعل ممتنع في الخارج، فإن الإنسان يعلم أنه يشعر بشعور حسن بعد فعل الأفعال الأخلاقية، وأنه يحصل له من الثناء أو يستحقه وهو يريد الفعل عالما بنتائجه فإما أن يستوي عنده في محبته أن يُشتم ويجحد على فضله أو أن يمدح ويشكر، ومعلوم أن شكر المحسن فعل أخلاقي وجحده غير أخلاقي، فاستواء هذا بذاك عنده هو من قلة عقله وحكمته وعدله.

والأولى أن يحب الأخلاقي منهما، فلو علمنا أنه يحبه كما يحب أن ينفع الناس، وهو عالم أن نفع الناس هو علة لحصول ما يحبه وأراد أن ينفع الناس فقد علمنا أنه عاد عليه ذلك بمنفعة هو عالم أنها ستعود عليه ومع ذلك لم يمتنع عن الفعل طالما انه لم يريدها.
ولو قال تحصل ولا أحبها فقد أساء كما بيننا، لأنها هي المعروف والأحسن وهو لم يحب ذلك.

وحتى الرب سبحانه وتعالى وهو لا يحتاج للمدح والثناء ولا يضره ذم الكفار أو جحده ومع ذلك فهو يحب العبد الشكور لاستحقافه للمحبة ويحب شكره ويكره جحد الجاحد لكون ذلك غير أخلاقي ويستحق البغض، ولا يستوي هذا وذاك الا عند ناقص العلم أو الحكمة.

وهذا ينقض شبهات للملاحدة، حينما يقولون للمسلمين أنكم تمتنعون عن القبائح فقط لعلمكم أنكم مراقبون ومعاقبون، وأنكم مثابون على فعلها.

فنقول أن هذا ليس مما يذم فيه المسلم بل الأولى أن يمدح لكثرة أسباب إقدامه على الخير وتركه للشر.

فيينك وبين المسلم قدر مشترك وقدر مميز:

● المشترك أنك والمسلم تنالون على الأفعال الخيّرة مقابل، فالملحد يشعر بالامتنان وأنه شخص أفضل ومقابل معنوي ومحبة من الناس وربما شهرة ونفع كثير يصل للنفع المادي وهذا الواقع، ولو تنزلنا أنه لا مقابل فهذا يكون سفه منه كما بيننا.

● والمميز أن ثواب المسلم أكبر فهو دافع أكبر له وكرم أكبر من خالقه وهذا له الأفضلية فيه.

خاتمة:
ويستحيل في الواقع إثبات وجود الإيثارية المحضة في أي سلوك إنساني وهذا محل نزاع كبير فلا مجال لذم أحد به قبل إثبات وجوده وإمكانه الخارجي.

وقد يقال إن إقدام الأم على الموت لانقاذ طفلها هو فعل إيثاري محض، ولا نسلم، لأن الأم مفطورة على الألم إذا تألم طفلها، فلا تتصور حياتها بعد موته إن لم تنقذه وكان عدم انقاذها له سبب في موته، فهي دفعت عن نفسها الألم الأكبر في تصورها.

واختصار ذلك كله من كلامه:

"فهذا ونحوه غاية ما يقدر من الجود المعروف، فأما جود أهل الجاهلية ونحوهم، ممن يقصد به الثناء عليه، ولو بعد موته فذاك دون هذا.

وأيضا فإن الإنسان قد يحب بنفسه فعل الخير والإحسان، ويتلذذ بذلك لا لغرض آخر، بل يتلذذ بالإحسان إلى الغير، كما يتلذذ الإنسان بلذاته المعروفة وأشد، وإن لم يصل إليه نفع غير لذته بالإحسان، كما أن النفوس الخبيثة قد تلتذ بالإساءة والعدوان، وإن لم يحصل لها بذلك جلب منفعة ولا دفع مضرة. فهذا أيضا موجود وصاحبه من أهل الإحسان والجود، فإما أن يكون في الوجود من يفعل لا لمعنى فيه ولا لمعنى في غيره، فهذا لا حقيقة له أصلا"- بيان تلبيس الجهمية، الخامس.

سؤال الأخلاق الموضوعية بين الإسلام والإلحاد

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“لو لم يكن حسن الفعل وقبحه لمعنى يعود إليه، للزم ترجيح الشارع لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، ولجاز أن يأمر بالشرك والكذب والكفر، وينهى عن الصدق والعدل والتوحيد، ولكان لا فرق بين هذا وهذا، ولا فرق بين النهي عن المعروف والأمر بالمنكر، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بين تحليل الطيبات وتحليل الخبائث، ولا بين تحريم الخبائث وتحريم الطيبات، ولم يكن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات ويحرم الخبائث، إلا بمنزلة أن يقال: يأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، ويحل ما يحل، ويحرم ما يحرم، ولكان يجوز أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، ويحب الفساد، ويرضى لعباده الكفر؛ إذ الجميع عند النفاة سواء لم يختص بعضها بصفة يكون لأجلها لا حسنة مأمورا بها محبوبة، ولا سيئة منهيا عنها مكروهة. وهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار عقلا وشرعا.
ولوازم هذا القول الفاسد أكثر من أن يمكن حصرها فإن هذا القول مبناه على أن جميع الأعيان والأفعال سواء في نفس الأمر، ليس لبعضها صفة توجب أن يفضل بها على الأخرى حتى يحب الله تعالى هذا ويأمر به، ويبغض هذا وينهى عنه.
ومن تدبر القرآن العزيز وجده مخالفا لهذا القول، بل هذا مخالف لما فطر الله تعالى عليه العقلاء، ولهذا لم يعرف هذا القول عن أحد من سلف الأمة وأئمتها الأربعة ولا غيرهم. بل قد ذكره أبو نصر السجزي وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني، وغيرهما من أهل الحديث والسنة – من البدع المحدثة في الإسلام، وأضافوه إلى أبي الحسن، وعدوه مما ينكر على أبي الحسن.
قال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28]. وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين • ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 35، 36]. وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21].”

– شرح الأصبهانية، ص535، ط آل غيهب.

ويقول: 

"والجهمية المجبرة الذين قالوا: إنّ الله قد يفعل كل ممكن مقدور لا يُنزّهونه عن فعل شيء، ويقولون: إنه يفعل بلا سبب، ولا حكمة، وهو الخالق لجميع الحوادث؛ لم يُفرّقوا بين ما تأتي به الملائكة، ولا ما تأتي به [الشياطين، بل  الجميع يُضيفونه إلى الله على حدٍّ واحد، ليس في ذلك حسن ولا قبيح عندهم، حتى يأتي الرسول. فقبل ثبوت الرسالة لا يميزون بين شيء من الخير والشر، والحسن والقبيح." - النبوات

ثانيًا، هذا الكلام المنقول أعلاه له علاقة بحجة يحتجها أتباع الأديان على الملاحدة فيقولون له: إلحادّيا ما المانع أن تزني بأمك؟

وأقول هذا الاعتراض في نفسه اعتراض صحيح لكن قد يُبنى عليه باطل:
فعندما يقال فيصح أن يقصد به:
– الملاحدة ليس لهم مرجعية أخلاقية مطردة ذات معنى ولها مسوّغ عقلاني لكي تُتَّبع: فاحتجاجهم بالفطرة الإنسانية ليس بشيء في ظل قولهم بأنها أصلًا تتطور وتتغير ونتاج عشوائية عمياء، واحتجاجهم بإجماع الناس ليس بشيء لأن المجتمعات لها اجماعات تنقض بعضها بعضًا وهناك إجماعلات لا أخلاقية باتفاق بل بعضها تجمع على أن الإلحاد نفسه قرار خاطئ أخلاقيّا، وإن قيل مصالح الناس قيل هي تتعارض وتختلف بين الأفراد والتيارات والمجتمعات بحسب أهوائهم وآرائهم، وإن قيل نغلب مصلحة الأكثرية نقول فهذه القاعدة نفسها من أين أتيتم بها؟! سنعود إلى نفس الدائرة.

– لو فرضنا أن الملحد استطاع أخيرًا أن يأتينا بمرجعية أخلاقية صحيحة، فالسؤال الثاني لماذا علي أن ألتزم بها إذا قدرنا غياب عين القانون عني؟ أو لو قدرنا أنني طاغية لدي قوة أعلى من القانون؟ فإذا سيكون ما تم فرضه على أنه أخلاقي بلا مسوغ صحيح ليس بأخلاقي أصلًا بالنسبة لي ولا يوجد ما يلزمني به ولي أن أخالفه، بل وكون القانون مفروض بالقوة لا يعني أنه صحيح في نفسه أصلًا بل تصحيحه بهذا محض مغالطة الاحتكام إلى السلطة.

● ومن الخطأ أن تبني على ذلك أن قبح الفعل ليس ظاهرًا بشكل فطري وأنه ليس هناك نفور فطري منه وأن قبحه لا يعرف إلا بعد الأمر الإلهي الشرعي!
لكن ليس للملحد تحديدًا أن يحتج بالفطرة عليك لوجوه ذكرت بعضها وسأكمل:

– وللملحد أن يقول: أنا أجد نفورًا خلقيّا فطريّا من فعل هذا، وهذا ما يحجزني عن فعله، كما أجد نفورًا من أكل القاذورات لذلك فإنني فعلًا لن أريد ذلك ولا أحتاج مصدر خارجي يمنعني منه أصلًا، فهل أنت أيها المتدين تمتنع عن ذلك فقط لأن دينك منعك؟!

وهنا لك أن ترد عليه بعدة مسالك، منها:

– هل تسلم أن فطرتك هذه مشتركة بين الناس، فإن قلت نعم قلنا، فنحن نجد وجود الله فطريّا في نفوسنا ونزعم فيه كما تزعم وظهوره في المجتمعات كظهور امتناع الناس عن الزنا بأمهاتهم فلماذا قبلت هذا ورفضت هذا ومصدرهم واحد؟، فإن قلت الفطرة نسبية قلنا إذا ليس لك أن تشنع على المؤمنين بأنهم يحتاجون مصدرًا زائدًا على فطرتهم لكي يمتنعوا عن هذا الفعل وأنت من تقول أن هذه الفطرة غائبة عند بعض الناس، فهذا تناقض منك.

الثاني أن يقال: فنحن نقول أن هذه الفطرة تنتكس كما هو حاصل في المجتمعات الغربية، فإذا انتكست فطرة أحد فكيف لنا أن نقنعه بلا دين أن هذا الفعل خاطئ؟ وقبيح ولا ينبغي؟ ليس هناك مسلك إلحادي لهذا، وقس عليه كل القبائح الأخرى التي اتفقنا أنا وأنت أنها جرائم.

فنفورك أنت ليس حجة على غيرك إلا إذا أضفت مقدمات ميتافزيقية ستحتاج أن تدافع عنها حينها وتؤمن بها وتطردها وتلتزم كل لوازمها وحينها لنا أن نحاجك بها.

ثالثًا، نقول له إنك تزعم أن نفورك من الألم النفسي الناتج عن إدراكك لقبح هذا الفعل يمنعك من ارتكابه، والمؤمن يزعم أنه ينفر من الألم الجسدي والنفسي الناتج وهو ألم إدراكه لقبح الفعل + عقوبة الله له الحاصلة في الآخرة جسدّيًا ونفسيّا فدافعه للترك أعظم من دافعك وألزم، لكن كلاكما تشتركان في أنهم تركتم الفعل دفعًا للمضرة سواء كانت جسدية أو نفسية فإن كنت تسمي هذا شيئًا زائدًا على نفس الفعل فليس لك أن تثرب على المؤمن فأنت مثله، والناتج عن الفعل ليس هو الفعل نفسه لأن السبب لا يكون هو نفس النتيجة كما هو واضح.

لكن هو يدعي أن نتائج هذا الفعل أقبح مما ترى أنت فيقول أنا إذا دوافعي للترك ستكون أكبر وإذا فأنت أقرب للوقوع بهذا الفعل منه على كل اعتبار، ومن كان أبعد عن القبائح والرذائل كان أخير وأصلح.

قلت: أولًا إن كنت مهتمًا بالرد على الملاحدة بطريقة سنية خالصة، فهذا الكتاب ينبغي أن تكون قرائته من أولوياتك وفكرة الكتاب هو نقد وتقويم أدلة المتكلمين على وجود الله وصفاته وكماله التي صاغوها للاحتجاج على الملاحدة وقويم طريقة المحاججة من جهة المقدمات والنتائج بل والسلوك وطريقة العرض وغير ذلك من القضايا المنهجية ذات الصلة وبيان أفضلية طريقة القران وأهل السنة على طريقة المتكلمين في الباب.

الأزمة الحقيقية للأخلاق الإلحادية

 

معظم المحاورين عندما يناقشون ملحدًا حول مرجعيته الأخلاقية يركزون على كونه لا يملك مرجعية أخلاقية

وعندما يذكر لهم أحدَ النظريات الأخلاقية الفلسفية يكعون معه في محاولة إبطالها، ويغرقون في جدل عميق حول تحرير مصطلحات النظرية ومدلولاتها وأدلتها وغير ذلك.
وربما ذكيهم يلتفت أنه فقط يحتاج أن يسأله عن مدى إلزامية هذه النظرية بالنسبة لفيلسوف آخر لديه نظرية أخلاقية مختلفة
وأنني لست مضطر أصلا لفهم هذه النظرية التي تقولها، بل كوني لا أفهمها هذا يزيد مشكلة الملحد سوء، لماذا؟
لأن النظريات الأخلاقية الفائدة منها أن تكون ملزمة للمجتمعات، لا فائدة من نظرية أخلاقية معقدة جدا (على فرض صحتها) لا يفهمها إلا الفيلسوف الذي وضعها وبعض أصحابه (على نزاع بينهم في تحريرها أصلا) كما يحصل بين الكانطيين مثلًا.
فنعم هذا المسلك صحيح لكنه ليس كل مافي الأمر
بل لك أن تزيد الأمر سوء بجره إلى فخ النسبية، فالملاحدة ليسوا كلهم على موقف واحد من العقل البشري، وفوق ذلك الفلاسفة (الذي يعظمهم الملحد من حيث أنهم خارجين عن دائرة التفكير الديني والتقليد الديني) بالذات المنظرين للبدائل اللادينية.
وحتى لو كان متناقضا صاحب موقف اعتباطي ويختار إطلاقية بعض المضامين العقلية فليس له أن يلزم غيره بأن يختار موقفه الفلسفي نفسه بل ولا أن يقتنع بما يقتنع به هو
فلك أن تقول له تمام هب أن شخصا كابر أدلتك، فهل هو عندك يستحق العقاب لكونه لم يقتنع بأدلتك؟ فإذا ماذا فرقت عن المطالبين بحد الردة؟
أنت مجبر أن تخرس وتقول الأنظار نسبية وما يقنعني أنا لا يقنع غيري، فهذا الحال بينك وبين غيرك من أصحاب النظر الفلسفي فكيف بالعامة؟!

هناك فرق بين أن تقول أن البشر جميعا "يجب" أن يلتزموا بنظريتي الأخلاقية فهي الصواب وهي البديلة عن الدين والكافية (تنظير معياري Normative) وبين أن يكون البشر بالفعل ملتزمين لنظريتك جميعا (تنظير وصفي Descriptive)

وليس لك أن تزعم أن المخالف لنظريتك في الأخلاق هو مختل سلوكيا أو عقليا فهذه مصادرة على المطلوب فتعريف السوية الأخلاقية نفسه منتزع من نظريتك وهو جزئها.
فهذه الطريقة تعتبر Meta ethics أي تنظير ما فوق أخلاقي، فأنا غير مضطر أن أنازع الملحد في نظريته المعينة وأن أكون ملما بتفاصيل كل النظريات الأخلاقية وملم بالردود عليها حتى أستطيع أن أرمي كلامه في الحش وأقول له كل ما تقوله إن لزمني أنا فلن يلزم الجميع وإن لزمهم عقلا فواقع الأمر أنهم لا يلتزمونه، ومدار الأخلاق على السلوك وتفعيل النظرية لا على كونها حبيسة عقول بعض الأذكياء الذين يعدون على الأصابع.
والأخلاقيات الدينية بسيطة تعطي نظرة سهلة فطرية للوجود والأخلاق بالذات الإسلامية منها (ونزعم أن كل أخلاق خارج الإسلام فهي لا تفيد نجاة صاحبها على أية حال لكن هذا خارج محل البحث.)


ولنطبق هذا عمليا:

لو جائك ملحدُ يقول لك أن الأخلاقي هو ما يؤدي للسعادة، والإنسان كائن اجتماعي، فحتى ينتفع ويحصل السعادة الكبرى من كونه في جماعة فلا يحصلها إلا إذا قدم مصلحة الجماعة على مصلحته.
فلك أن تقول له: تمام، سلمنا لك كل ما تقول، فهذا تنظير معياري، لكن الوصفي الواقعي مختلف، ففي الواقع هناك جماعات مختلفة لها اهداف مختلفة ومصالح مختلفة، وقناعات مختلفة ومنهم من لايقبلون نظريتك هذه، فهل ستجلس تناقشهم واحدا واحدا وتشرح لهم نظريتك؟
التنظير الفلسفي بحد ذاته كفكرة من مبدأ الأمر سيفشل في أن يكون بديلا للدين، بالذات أن تقدير المصالح والمفاسد قد يختلف من شخص لاخر فمن الناس من هم اغبياء ولا يدركون مفاسد خداع الجماعة وقد يخدعون الجماعة لفترة طويلة ولا يكتشفون ويضرونها ضررا عظيما وقد يكونون طغاة اقوى من الجماعة فيسخرون الجماعة كلها لهم.
فالواقع أعقد بكثير من أن تناقشني في صحة نظريتك من حيث هي نظرية فلسفية، بل الكلام كيف يمكن أن نستفيد منها واقعيا،
فالبشر حتى مع علمهم بوجود الآخرة التي لا يفلت منها أحد وعقابلها عظيم جدا جدا فكثير منهم لا يرتدع فكيف إذا أخبرتهم أن هناك احتمال كبير أن لا يتم اكتشافك وأن الأمر فقط يعتمد على تقديرك للمصالح والمفاسد للجريمة فإن قدرتها بشكل يخالف عقل الفيلسوف الفلاني وبشكل يمكنك أن تفلت من قوة القانون (الاعتباطية فلسفيا لانها تفرض نفسها على الناس بالقوة لا بالاقناع) فاذا أنت مبرر بالنسبة لأخلاقك الخاصة حتى مع كونك غير مبرر بالنسبة لفلسفة فلان الأخلاقية.
ثم هب أن شخصا اقتنع بالنظريات اللا أخلاقية أو اللامعيارية أخلاقيّا أصلا فهو لا أخلاقي بهذا الاعتبار، اي باعتبار "العدم والملكة" كما يصطلح على ذلك فلسفيا ، فهو غير مقتنع بوجود شيء اسمه معايير أخلاقية فضلا عن أن تصفه بأنه فاسد أخلاقيا وفق أحد المعايير، أو أنه لا أدري لا اكتراثي أخلاقيا، فما التثريب عليه؟