تمهيد
في البداية لا يحدث شيء “صاخب”. ما يحدث—غالبًا—هو شيء مألوف: إعجابٌ طبيعي، اهتمامٌ يبدو دافئًا، شعورٌ أوليٌّ بأنك أمام شخص واثق أو لطيف أو “يفهم” وأحيانا مميز. وحين تُحاول أن تلتقط العلامات المبكرة، تجدها قابلة لتأويلين: إمّا أنها كيمياء بدايةٍ عادية، أو أنها بداية نمطٍ مختلف سيكشف نفسه لاحقًا على مهل.
ومن هنا سنبدأ الحكاية (ولو أننا سنسردها علميّا): منذ أن صاغ فرويد ملامح النرجسية بوصفها حالة من التمركز حول الذات، ظلّ المفهوم يتطوّر حتى تمايز في علم النفس السريري بين الاضطراب النرجسي (Narcissistic Personality Disorder) بوصفه تشخيصًا طبيًا، وبين السمات النرجسية (Narcissistic Traits) التي تظهر في السلوك دون أن تبلغ حد المرض. وما يهمنا هنا ليس الملصق التشخيصي، بل ديناميّة العلاقة حين تتشكّل حول هذه السمات.
ما الذي تراه من الخارج؟
هناك صورة متوقعة: شخصٌ يلمع حضوره، يتحدث عن ذاته كثيرًا، يطلب الاعتراف، يضيق بالنقد، وقد يشفّ عن استعلاء مباشر. لا مبالغة هنا؛ مجرد ملامح يمكن أن تمرّ بك كإشارات أولية وواضحة ونمطية.
لكن المشكلة حين تمرّ بك صورة أخرى أقل ضجيجًا: شخصٌ هادئ، “محترم”، يبدو متواضعًا، يلتقط تفاصيلك بسرعة، ويعرف كيف يصوغ كلامه بحيث تشعر أنك مُفهوم. لا يقدم استعراضًا صاخبًا لنفسه، بل يملك شيئًا أدق: توقيتٌ محسوب، وقراءةٌ بارعة للنبرة والحاجة، وقدرة على رسم ذاته في خيالك دون إملاء مباشر.
والفارق بين الصورتين لا يُحسم في الانطباع الأول؛ يُحسم في مسارٍ طويل، حين تتكرر أنماط بعينها وتصبح العلاقة نفسها أشبه بآلة، وهذا غالبًا لن تعرفه إلا بعد أن تدخل بالفعل داخلها..
التصورات الخفيّة التي تحرّك المشهد
حين نحاول فهم تصرفات النرجسي لابد أن تفهم كيف تنشئ من الداخل، تظهر فكرة واحدة لكنها تُفسّر الكثير: هروبٌ من شعور نقصٍ داخلي بطرائق مختلفة. النرجسي لا يكتفي بأن يرى نفسه جيدًا؛ يحتاج أن يظلّ الواقع يُثبت ذلك. لذلك لا يدخل علاقة ليشارك ذاته، بل ليجدها منعكسة.
وقد لوحظ أنّ النرجسيّ لا يبني علاقةً إلا ليرى ذاته فيها، فإن لم يرها، حطّم المرآة. ولأجل أن تبقى المرآة صافية يحتاج إلى ما يُسمّى الإمداد النرجسي (Narcissistic Supply): إعجابٌ وانتباهٌ متجددان يغذيان الصورة.
الإغواء — حين يبدو القرب “أسرع من اللازم”
هنا يظهر ما يسمّيه كثير من الباحثين دورة الحبّ الاستفزازي (Narcissistic Love-Bombing Cycle). ويمكن تعريف “الحبّ الاستفزازي” بأنه إغراق الطرف الآخر بجرعات مكثّفة من الاهتمام والمديح والهدايا والمشاعر المثالية في المراحل الأولى للعلاقة بهدف خلق ارتباط سريع وولاء نفسي.
هذه هي مرحلة Love Bombing، أو بعبارة أخرى التقديس (Idealization): مديح، عطاء، رسائل مطوّلة، وعود بمستقبل مشترك، أجواء أمان وحب غير مشروط، ومراعاة لاحتياجات وتوقعات الطرف الآخر بطريقة مثالية، الهدف هنا ليس الحب، بل السيطرة ورسم المخيّلة، وكأن النرجسي يرسم صورته على المرأة.
الأثر النفسي الأهم: هذا الاندفاع يُنشئ تعزيزًا إيجابيًا غير منتظم (Intermittent Reinforcement) يمهّد لـ رابطة الصدمة (Trauma Bond): تعلقٌ ينشأ لا بسبب محبة مستقرة، بل بفعل توترٍ وارتياحٍ يتناوبان.
وتعمل الدورة هنا بكفاءة لأن عنصر السرعة يمنع التقييم الهادئ: البداية السريعة تُربك الطرف الآخر وتسدّ عليه مساحة الحكم الموضوعي.
التحقير التدريجي — أو محاولة "إذابة شخصية الضحية"..
بعد أن يكتمل الارتباط النفسي، يبدأ التحول إلى Devaluation: نقدٌ متكرر، امتناع عاطفي، تشكيك، تقويض للقيمة الإدراكية، ثم يدخل—أحيانًا—أسلوب أدق: Gaslighting، أي إقناع الطرف الآخر بأنه هو المشكلة، وأن إحساسه بالتعرض للإيذاء ليس إلا اضطرابًا داخليًا فيه.
هنا لا يُقصد إنهاء العلاقة، بل تغيير وظيفتها:
هذا التحقير لا يهدف إلى إنهاء العلاقة، بل إلى إحداث خلخلة في مفهوم الذات عند الضحية، بحيث تصبح العلاقة مصدرًا للبحث عن إثبات الذات، لا موضعًا للاطمئنان.
ومع التناقض بين الصورة المثالية في البداية والانقلاب المفاجئ، يبدأ الطرف الآخر بالتشكيك بإدراكه هو للواقع، ويصعب عليه فهم ما حصل، فتتآكل الثقة بالنفس وبالفهم، ويصبح الخروج أصعب مع الوقت.
وتشير المقارنات إلى شبهٍ مع ما سمّته Lenore Walker بـ “دائرة الإساءة” (Cycle of Abuse): توتر، عقاب، تصالح، وهدوء نسبي؛ لكن النسخة هنا مموهة في غلاف من الرومانسية المفرطة.
ثم يظهر نمطٌ يُشبه “اللعبة”: كلما لاحظ النرجسي أنك بدأت تكتشفه يتحول إلى سلوك مثالي، وكلما بدأت تعتاد على المثالية ينقلب إلى سلوك تجاهلي سيء.
الإقصاء — حين تُحسم المسافة دون تفسير
إذا ضعفت فاعليتك في إشباع الحاجة النرجسية، أو ظهرت بوادر استقلال نفسي، ينتقل المشهد إلى Discard: قطعٌ مفاجئ أو إهمالٌ قاسٍ بلا تبرير كافٍ وبلا مراعاة للمراحل العاطفية.
وظيفة هذه المرحلة ليست مجرد “نهاية”، بل إعادة تثبيت التفوق الإدراكي:
وظيفة هذه المرحلة إعادة تثبيت التفوق الإدراكي، وتعزيز شعور النرجسي بأنه “المتحكم في شروط القرب والبعد”.
الاسترجاع المشروط — تتحول العلاقة إلى دوامة.
كثيرًا ما لا تكون النهاية حاسمة. يعود النرجسي عبر "السحب العاطفي Hoovering": رسائل عاطفية، وعود، إشارات ندم، تلميحات تغيير. لكن الرجوع هنا—في كثير من الأحيان—لا ينبني على مراجعة أخلاقية، بل على إعادة تشغيل النمط ذاته.
وهنا تتضح عوامل تُبقي الدورة حيّة: اعتماد النرجسي على الإمداد النرجسي، والتكرار الدوري الذي يعمّق التعلق ويصعّب الفكاك.
النرجسي المتعاطف — حين يصبح الفهم نفسه أداة
في هذه المرحلة قد تعود بذاكرتك إلى الصورة الهادئة في البداية، وتفهمها على نحوٍ مختلف. بعض الشخصيات النرجسية الأقل صدامية والأكثر ذكاءً وواقعية تُوصف أحيانًا بـ “النرجسي المتعاطف” (Empathic Narcissist): مزيج يجمع بين صفات نرجسية واضحة مع قدرة على إظهار التعاطف، لكن هذا التعاطف غالبًا معرفي لا عاطفي؛ يفهم مشاعرك واحتياجاتك، ثم يستخدم هذا الفهم لمصلحته.
سماته كما تظهر في سير العلاقة:
تعاطف ظاهري عبر استراتيجية المرآة: يقلد اهتماماتك ليكسب ثقتك، ثم يوظف ما عرفه عنك كسلاح. مثلًا في خلاف قد يقول لك: “أنت دائما تعترف لي أنك مصاب باضطراب نفسي فيبدو أن هذا أثر عليك في خلافك هذا معي”، بينما أنت فقط أخبرته أنك أصبت بالاكتئاب في فترة من فترات حياتك، لكنه يستعمل “الإجمال” ليكسرَك نفسيًا بصورة متعاطفة.
تواضع يخفي غرورًا: فلتات لسان تكشف شعورًا بالتفوق عبر تعليقات تقلل من الآخرين أو تحمل نبرة استعلاء ولو كانت مغلّفة بالشفقة.
حساسية شديدة للنقد: كلمة عابرة تكفي لإثارة غضبه أو انسحابه؛ صورته عن نفسه زجاجية: إما أن تبقى كلها أو تنكسر كلها دفعة واحدة.
دور الضحية الدائم: لا يعترف بمسؤوليته عن الأخطاء، بل يعلّقها على الظروف أو الناس من حوله.
استخدام التعاطف للتلاعب: اهتمام وحنان لإبقاء الشريك معتمدًا عليه، وإن شعر بتهديد—حتى من نقد بسيط—يلجأ إلى الصمت العقابي، لعب دور الضحية، أو التشكيك بذاكرة الطرف الآخر (gaslighting).
الجدال اللانهائي: الحوار مباراة فوز وخسارة؛ وقد يعترف بخطئه اعترافًا شكليًا ليبدو متواضعًا، أو يبرّره بوقاحة رغم وضوحه: “كذبت عليك لمصلحتك” أو “أنت من أجبرتني على خيانتك”.
ومن هنا تصبح دراسة النرجسية—حتى حين لا تكون تشخيصًا طبيًا لشخص محدد—دراسة لـ سايكولوجية التكبر بوصفها محركًا لسلوكيات السيطرة.
لماذا ينجذب النرجسي إلى الاعتمادي؟ رقصة “السهل” و“الصعب”
يبدأ كثيرون من سؤالٍ واقعي: لماذا أقدم الكثير ولا أجد المقابل؟ أشعر أنني أجذب باستمرار النرجسيين الذين يتجاهلون احتياجاتي. وقد يبدو الأمر سوء حظ “سحريًا”، لكن ثمة نمطًا يمكن رصده: الشخصية الاعتمادية (Codependent) التي تبحث عن مردود عاطفي عبر إسقاط احتياجاتها على الآخرين—“سأعطي كل ما أحتاجه لشخص لأضمن أنه سيرد لي نفس النوع من الدعم”—تمثل في كثير من الأحيان الهدف الأول والجاذب الأكبر للنرجسي.
وتعود العبارة المفصلية هنا بمعناها التطبيقي:
“النرجسي يبحث عن العلاقات الصعبة، ولكنه يرتاح ويستقر في العلاقات السهلة.”
الصعبة تمنحه شعورًا بأنه أهلٌ لنيل ما يُنال بصعوبة، والسهلة تمنحه الإمداد بكثافة؛ والاعتمادي هو “الوجبة الدسمة” من التوكيدات.
كيف تتشكل الرقصة بينهما دون حاجة إلى اتفاق معلن؟
الاعتمادي يبحث عن شخص مثالي يعطيه الدعم العاطفي الناقص عنده، والنرجسي يرى نفسه فعلًا شخصًا مثاليًا، فيبدأ بقصف الحب (love bombing)، فيجد الاعتمادي بغيته.
ثم يشبع النرجسي من الوجبة الأولى (الاهتمام) ويبدأ بتوكيد سمات أخرى: أنه الأفضل وأنه المتحكم، عبر الاستنقاص بتجاهل أو نقد مستمر. وهنا يعمل الاعتمادي وفق منطقه الداخلي: يرى أنه غير مقبول ويحتاج للتضحيات والسلوكيات المثالية حتى يُقبل، فيحمل نفسه المسؤولية ويبحث عن “السر” الذي قلب شريكه، أو يحاول إصلاحه للعودة إلى الود الأول.
وأثناء ذلك تنزف الحدود: الاعتمادي يحاول كسر الحدود أكثر فأكثر ليصل للسر، وكلما تكسرت الحدود أحكم النرجسي السيطرة، وكلما حاول الاعتمادي بناءها سارع النرجسي بكسرها، مستغلًا خوف الاعتمادي من الرفض فيخاف من قول “لا” حتى لا يواجه بالهجر العقابي.
ثم تظهر الألاعيب النفسية الثنائية: الاعتمادي يحاول إشعار الطرف الآخر بالذنب على تقصيره، والنرجسي يتهرب من الاعتراف بالخطأ عبر gaslighting. وبما أن الاعتمادي لا يثق بنفسه، يشك في نفسه وذاكرته. وإذا شعر النرجسي أن العتاب صار جديًا وقد يهدد الإمداد، يعود بقصف عاطفي جديد ويتظاهر بالمثالية، فتزداد الرؤية تشوشًا ويظن الاعتمادي أنه كان هو المخطئ.
الجذر المشترك يبقى واحدًا: هروب من النقص الداخلي؛ النرجسي يهرب منه بتطويع الواقع لإثبات نقيضه، والاعتمادي يحاول الحصول على توكيدات خارجية بأنه محبوب عبر تقديم التعاطف والحب للآخرين.
أسئلة متوقعة
أين يسهل حدوث هذا النمط؟
يسهل الوقوع في هذه الدورات في العلاقات التي تكشف الصفات الواقعية للطرف الآخر بصعوبة، مثل العلاقات الإلكترونية، أو العلاقات غير الشرعية في مجتمعات يصعب على الرجل والمرأة فيها المعايشة الطويلة. هناك يمكن للنرجسي أن يرسم صورة مثالية بأقل تكلفة، ويخفي جوانبه السيئة بسهولة، فيسهل انبهار الطرف الآخر وتعميم السلوك المثالي على ما لم يُرَ بعد.
هل الوقوع فريسة يعني السذاجة؟
من منظور معرفي-اجتماعي، “الحب الاستفزازي” ليس عاطفة صادقة بل أداة استراتيجية للسيطرة تحقق مكاسب للنرجسي على حساب استقرار الضحية. ومع ذلك، الوقوع فيه ليس دائمًا نتيجة سذاجة مطلقة؛ قد يكون استجابة لحاجة طبيعية للقبول أو سوء تقدير للنية، خصوصًا إذا كان النرجسي بارعًا في الإخفاء.
للاستزادة
https://www.simplypsychology.org/common-narcissistic-love-patterns.html
https://www.simplypsychology.org/narcissistic-love-bombing-cycle.html
https://www.simplypsychology.org/the-dance-between-codependents-narcissists.html
https://www.simplypsychology.org/empathic-narcissist.html