“Life can only be understood backwards; but it must be lived forwards.”
«لا تُفهَمُ الحياة إلا إلى الوراء؛ لكن لا بدّ من عيشها إلى الأمام.»
سورين كيركغارد Søren Kierkegaard
كثيرًا ما يظن الإنسان أنه يعرف نفسه لمجرد أنه يفكر فيها كثيرًا. يسأل: لماذا أكره الدراسة أحيانًا رغم أهميتها؟ لماذا أنجذب إلى شخص دون آخر؟ لماذا أهرب من موقف وأندفع في غيره؟ ثم يخرج من كل محاولة بفكرة تبدو معقولة، لكنها لا تغيّر شيئًا في الواقع. لا لأن النفس عصيّة تمامًا على الفهم، بل لأننا نبدأ من الموضع الخطأ. نحن لا نقرأ أنفسنا قراءة محايدة، بل ندخل إليها محمّلين بما نحب أن نكونه، وبالصورة التي نرضى أن نراها عن ذواتنا، ثم نطلب بعد ذلك من وعينا أن يمنحنا تفسيرًا نزيهًا لما يحدث في الداخل. ومن هنا يبدأ الوهم.
الخلل في الغالب ليس في صدق الرغبة في الفهم، بل في طريقة الفهم نفسها. فنحن نستعجل الحكم قبل أن نرى، ونفتش عن المعنى قبل أن نضبط الوقائع، ونثق بأول تفسير جميل لأنه يريحنا، لا لأنه أصحّ. لذلك فالمشكلة منهجية في أصلها، ولا يصلح لها إلا علاج منهجي: أن نرتب النظر في النفس، وأن نؤخر الحكم، وأن نبدأ من الواقع لا من المثال ولا الأفكار المجردة.
الوصف يسبق الحكم
القاعدة الأولى في هذا كلّه أن الوصف يسبق الحكم.
فالإنسان لا يفهم نفسه حين يسرع إلى القول: أنا غير اجتماعي، أنا غير منضبط، أنا أنفر من الالتزام، أنا لا أصلح لهذا النوع من العلاقات. مثل هذه العبارات تبدو كأنها بداية الفهم، لكنها في الحقيقة كثيرًا ما تكون نهايته المبكرة. فما إن يصدر الحكم حتى يبدأ العقل في جمع الأدلة التي تؤيده، وفي تجاهل ما سواه. وهنا يعمل ما يعرف في علم النفس بــ "التحيز التأكيدي Confirmation Bias" : لا نعود نبحث عمّا يحدث فعلًا، بل عمّا يثبت أن فكرتنا الأولى كانت صحيحة. وهكذا يتحول فهم الذات إلى دفاع عنها أو إلى محاكمة لها، لا إلى قراءة صادقة لها.
كيف نصنع تفسيرات مريحة لأنفسنا؟
ومن هنا أيضًا تنشأ العقلنة Rationalization. نفعل الشيء أولًا، ثم ننسج له بعد ذلك سببًا يبدو مرتبًا ومقنعًا. لا لأننا نتعمد الكذب، بل لأن النفس تكره الفراغ، وتحب أن ترى سلوكها مفهومًا وتحت السيطرة. ولهذا تظهر أهمية دراسة نيسبيت وويلسون Telling More Than We Can Know: Verbal Reports on Mental Processes؛ فقد كشفت أن الإنسان قد يختار، ثم يقدّم لتفضيله تفسيرًا متماسكًا لا يعبّر بالضرورة عن السبب الحقيقي. التفضيل هنا قد يكون حقيقيًا، لكن تفسيره ليس كذلك. وهذه نقطة دقيقة جدًا: كثير من أوهام فهم الذات لا تأتي من كذب الشعور، بل من ثقتنا المفرطة في تفسيره الأول.
لهذا لا ينبغي أن يكون سؤال البداية: ما المشكلة فيّ؟ ولا: ما التفسير الأجمل لما أفعل؟ بل: ماذا أفعل فعلًا؟ ما الذي يتكرر؟ متى أنسحب؟ متى أتوتر؟ ما الظروف التي أزدهر فيها؟ ما الأنواع التي أعود إليها من الناس والقرارات والعادات؟ هذه المادة الخام أصدق من كل تعريف كبير نعلقه على أنفسنا.
راقب الأنماط لا الحوادث المفردة
ومن هنا نصل إلى القاعدة الثانية: راقب الأنماط لا الحوادث المفردة.
فالحادثة الواحدة قابلة لعشرات التأويلات، وقد تصنعها ظروف طارئة لا تعبّر عن شيء عميق. أما ما يتكرر عبر الزمن، ويعود في أكثر من موقف، فهو الذي يكشف البنية الكامنة خلف السلوك. لذلك لا تسأل نفسك: ماذا أظن أنني أحب؟ بل: ماذا تكشف اختياراتي المتكررة عمّا أحب؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين صورة أتمنى أن تكون صحيحة، وواقع يتكرر بصمت حتى لو لم يعجبني.
ومن هنا تُقرأ المعتقدات الجوهرية Core Beliefs لا من تصريحاتنا، بل من أنماطنا. ما الذي تختاره كل مرة؟ ما الذي تهرب منه كل مرة؟ ما الذي يتبدل في حياتك ويبقى هذا الخيط ثابتًا فيها؟ هنا تبدأ النفس في الكلام. فهي لا تعلن حقيقتها غالبًا في الشعارات التي ترفعها عن نفسها، بل في شكل التكرار الذي يسكن قراراتها.
الألفة تصوغ كثيرًا من اختياراتنا
وتساعدنا هنا فكرة أثر مجرد التعرض (Mere Exposure Effect) عند زايونك (Zajonc) على فهم شيء بالغ الأهمية: كثير من تفضيلاتنا لا يتكوّن لأننا اخترناه بوعي كامل، بل لأننا ألفناه. نرتاح أحيانًا لما تكرر حضوره في وعينا، لا لأنه الأفضل، بل لأنه المألوف. وهذا يعني أن جزءًا من اختياراتنا تشكّل فينا قبل أن نبدأ أصلًا في تفسيرها. وحين نأتي متأخرين لنمنحها معنى، نتوهم أحيانًا أن هذا المعنى هو أصلها، مع أنه ليس إلا وصفًا متأخرًا لما رسخته الألفة والاعتياد والتجارب الأولى.
ولهذا ففهم النفس لا يكون بالنظر إلى ما نعلنه عنها، بل بالنظر إلى ما تؤكده حياتنا عنها. الإنسان لا يعرف نفسه من صورته المثالية، بل من عاداته المتكررة، ومن انجذاباته الثابتة، ومن الطرق التي يفرّ بها، أو يعود بها، أو يعيد بها الخطأ نفسه وهو يظن أنه يختار شيئًا جديدًا.
الانجذاب إلى الجنس الآخر: حيث يكثر الوهم
ويظهر هذا بأوضح صورة حين نتأمل الانجذاب إلى الجنس الآخر. هنا يكثر الوهم، لأن الإنسان يحب أن يفسر انجذابه بلغة نبيلة ومرتبة: يقول إنه ينجذب إلى الذكاء، أو إلى اللطف، أو إلى العمق، أو إلى الجمال الهادئ. وقد يكون في هذا شيء من الصدق، لكنه كثيرًا ما يكون الطبقة العليا فقط، لا الجذر الحقيقي. فالانجذاب شعور مباشر، أما تفسيره فشيء آخر. قد يكون الشعور صادقًا تمامًا، لكن تفسيره ناقصًا، أو مزيّنًا، أو مريحًا أكثر مما ينبغي.
ما الذي يحدث لنا مع الآخر؟
لا ينجذب الإنسان دائمًا إلى الشخص من حيث صفاته الظاهرة فقط، بل إلى الأثر النفسي الذي يتركه فيه هذا الشخص. قد يظن أنه معجب بالهدوء، بينما الذي يشده في الحقيقة هو الإحساس بالأمان الذي يرافق هذا الهدوء. وقد يظن أنه يحب الذكاء، بينما هو في العمق منجذب إلى من يجعله يشعر بأنه مرئي ومفهوم. وقد يظن أنه يطلب النضج، بينما تكشف اختياراته المتكررة أنه يبحث عن من يخفف قلقًا قديمًا، أو يمنحه قبولًا افتقده طويلًا، أو يعيد إليه مناخًا نفسيًا عرفه منذ الصغر، حتى لو كان ذلك المناخ مؤلمًا.
وهنا لا يعود السؤال: ما الصفة التي أعجبتني فيه؟ بل يصبح: ما الذي حدث لي معه؟ ما الإحساس الذي نشط في داخلي؟ ما الحاجة التي لامسها؟ ما النمط الذي عاد يتكرر في اختياراتي؟ هل أنا منجذب إلى هذا الإنسان، أم إلى الشعور الذي أعيشه بقربه، أم إلى صورة نفسي حين أكون معه؟ هذا المستوى من السؤال هو الذي ينقل المثال من السطح إلى العمق. لأن الصفات وحدها لا تفسر كثيرًا؛ فالصفة لا تعمل في الفراغ، بل تكتسب معناها من تاريخ الشخص نفسه. الهدوء قد يعني عند أحدهم أمانًا، وعند آخر احتواءً، وعند ثالث خلاصًا من فوضى داخلية لا تنطفئ. واللطف قد يكون لطفًا فقط، وقد يكون عند شخص آخر وعدًا غير معلن بأنه لن يُرفض مرة أخرى.
المعايير المعلنة والمعايير الحقيقية
لهذا قد يظل الإنسان سنوات يردد معاييره المعلنة، بينما تكشف اختياراته الفعلية أنه مدفوع بمعايير أخرى أعمق منها. قد يقول إنه لا يقبل إلا بصفات معينة، ثم يجد نفسه ينجذب مرة بعد مرة إلى أشخاص لا يملكونها. لا لأن منطقه انهزم أمام الاستثناء، بل لأن منطقه المعلن لم يكن هو منطقه الحقيقي أصلًا. لقد كان صورة مثالية عن نفسه، لا وصفًا أمينًا لما يحرّكه فعلًا.
بين الشعور وتفسير سببه
ومن هنا يجيء مغزى دراسة الجسر المعلق، أو ما يرتبط بفكرة إسناد الاستثارة الخاطئ Misattribution of Arousal في دراسة داتون وآرون Some Evidence for Heightened Sexual Attraction Under Conditions of High Anxiety. فالمشاعر الجسدية قد تكون صادقة في حدوثها، لكن العقل قد يخطئ في نسبتها إلى سببها. التوتر، وتسارع النبض، والاستثارة الداخلية، قد تُفهم أحيانًا على أنها إعجاب أو انجذاب، مع أن أصلها شيء آخر. ليس معنى هذا أن كل انجذاب وهم، بل أن الشعور شيء، وتفسير سببه شيء آخر. وهذه مسافة يغفلها الإنسان كثيرًا حين يثق في تأويله الأول كما يثق في تجربته نفسها.
نحو فهم أقل سذاجة وأكثر صدقًا
والمقصود من كشف هذه الحيل ليس أن نصير أكثر قسوة على أنفسنا، بل أن نصير أقل سذاجة معها. نحن لا نحتاج إلى جلد الذات، بل إلى بناء صورة أكثر صدقًا عنها؛ صورة لا تبدأ من المثال، ولا من الأحكام الجاهزة، بل من الأنماط التي تتكرر، ومن الفروق بين ما نشعر به وما نقوله عن سبب هذا الشعور. عندها فقط يبدأ ما يمكن أن نسميه نموذجًا تفسيريًا للذات Self-Explanatory Model: ليس حقيقة نهائية عن النفس، لكنه أصدق بكثير من الفوضى التي نفسر بها أنفسنا عادة.
خاتمة
في النهاية، لا يعرف الإنسان نفسه من الصورة التي يحب أن يتأملها، بل من الصورة التي تتكون بصمت من اختياراته. ولا يصل إلى هذه الصورة إلا إذا تعلّم أن يرى قبل أن يحكم، وأن يصف قبل أن يفسر، وأن يراقب التكرار قبل أن يثق بالانطباع، وأن يفصل بين صدق الشعور وصحة تأويله. هناك فقط يبدأ الفهم الحقيقي، أو على الأقل: يبدأ الخروج من وهم الفهم.