مقدّمة
ينتمي الجدل بين الواقعية العلمية واللاواقعية العلمية إلى قلب فلسفة العلم؛ لأنه يشتبك مباشرةً مع سؤالٍ مركزي: ما الذي يبرّره لنا نجاح العلم؟ وهل النجاح التجريبي يكفي—بذاته—ليُلزمنا باعتقادٍ حرفيٍّ دائمًا تجاه الكيانات التي تتحدث عنها النظريات، خصوصًا حين تكون تلك الكيانات غير مرصودة أو غير قابلة للرصد؟ وتزداد دقّة هذا السؤال لأن العلم لا يعمل في فراغٍ معرفي، بل داخل منهجٍ يتضمن نمذجة رياضية وتصوّرية، وفرضيات، وتفسيرًا للبيانات، وترجيحًا بين بدائل لا تُحسم دائمًا بالمشاهدة المباشرة. لذلك لا يكون النقاش مجرد نزاعٍ على “وجود العالم الخارجي” كما هو الحال في الجدل الواقعي والمثالي في نظرية المعرفة، بل نزاعًا على نوع الالتزام الذي ينبغي أن نستخرجه من الممارسة العلمية بخصوص.
تحديد محلّ النزاع بدقة: ماذا يُلزِمنا به نجاح العلم؟
لبُّ النزاع ليس: “هل يوجد عالمٌ مستقل؟” لأن كثيرًا من الأطراف—حتى من يُسمَّون لاواقعيين علميين—لا ينكرون استقلال العالم، ولا يشتغلون أصلًا على نفيه. محلّ النزاع أضيق وأكثر تحديدًا: هل يحق لنا أن نعدّ نجاح النظرية التجريبية سببًا كافيًا مطلقًا للتصديق بأن كياناتها المزعومة موجودة على نحو ما تصفه بشكل حرفي أو شبه حرفي، خصوصًا في باب غير المرصود؟ فمن قال: “لا يلزم”، لا يقول تلقائيًا: “كل غير مرئي باطل”، وإنما يقول: “هذا النوع من الأدلة—الانتقال من النجاح العملي إلى صدقٍ حرفيٍّ في غير المرصود—غير مُلزِم عندي بمفرده”.
ومن هنا يظهر الفرق بين ثلاثة أمور ينبغي عدم خلطها:
نقد الاستدلال من نجاح العلم إلى صدقٍ حرفيٍّ ووجودٍ ميتافيزيقي لكيانات النظرية، وبين إنكار الميتافيزيقا جملةً، وبين إنكار إمكان الأدلة العقلية الاستنباطية. فالاعتراض قد يكون على نوع مخصوص من الاستدلال على الغيبيات لا على كل استدلال!.
فاتهامُنا بأننا نلزمُ إنكارَ الغيبياتِ مطلقًا لأننا نطعنُ في أدلةٍ لا نرى لها دلالةً أصلًا، بل نعدّها محضَ تخرّص—كاتهامِ الدجّالين لمكذّبيهم بالإلحاد وإنكارِ الكرامات والغيبيات.
الواقعية العلمية “حزمة” لا دعوى واحدة
السبب الذي يفسّر لماذا نجد مذاهب في فلسفة العلم ترفض بعض أفكار الواقعية العلمية ومع ذلك يبدأ اسمها بـ“الواقعية”، هو أن الواقعية العلمية ليست دعوى واحدة بسيطة تمثل حدًّا أدنى ثابتًا لا يتغير؛ بل هي حزمة طيفية من الأطروحات.
دعوى “النظرية مطابقة أو شبه مطابقة للواقع غير القابل للرصد أو غير المرصود” تمثل نسخة قوية من الادعاء المعرفي الواقعي، وهي الصورة الكلاسيكية الأكثر نقاءً من الواقعية العلمية، لكنها ليست دائمًا الحد الأدنى المشترك الذي يلتزم به كل من يُوصَف بأنه واقعي، خصوصًا بعد اعتراضات اللاواقعيين الحديثة وتطوّر التفريعات الواقعية (الانتقائية والبنيوية والكيانية وغيرها).
ولتوضيح حدّ الواقعية وحدود الخلاف، من المهم التمييز بين مستويات ثلاثة من الادعاءات:
أولًا: الادعاء الميتافيزيقي
يتحدث عمّا يوجد وكيف هو العالم في نفسه، مثل: “يوجد عالم مستقل عن أذهاننا ولغتنا”.
ثانيًا: الادعاء الدلالي
يتحدث عن معنى لغة العلم: هل حديث العلم عن الإلكترونات والحقول والجينات يُؤخذ حرفيًا بوصفه قضايا قابلة للصدق والكذب، أم أنه يُقرأ قراءةً أداتية معيارها “النفع/عدم النفع” أو “الأفضل حتى الآن” دون التزام حرفي؟.
ثالثًا: الادعاء المعرفي (الإبستيمي)
يتحدث عما نعرفه وما يبرَّر لنا الاعتقاد به بناء على نوعية معينة من الأدلة: هل نجاح النظرية يبرر الاعتقاد بأنها تصيب الواقع بدرجة ما؟ وإذا كان ذلك معقولًا في الواقع المشاهد، فماذا عن الواقع غير المرصود أو غير القابل أصلًا للرصد؟ وهل النجاح وحده يبرر القفزة إلى “صدقٍ شبه حرفي” في هذا الباب؟
وغالبًا يُقال إن الحد الأدنى الذي يُبقي المذهب “واقعيًا” يتضمن شيئًا من: استقلال العالم، وحرفية الدلالة وقابلية الصدق/الكذب (أي ليس أداتيّا)، ووجود صلة تفسيرية بين النجاح ومطابقة النظرية للواقع وكيفيته في نفس الأمر. ومن يرفض بعض هذه الأركان يبتعد—في الاستعمال الشائع داخل الجدل الفلسفي—عن الواقعية باتجاه اللاواقعية أو يقترب منها، حتى لو سلّم بالعالم الخارجي وبمطابقة بعض محتويات النظرية التي لها تعلق مباشر بالحس، لأن النجاح العملي نفسه يسلّم به الجميع تقريبًا، والنزاع في “ما الذي يلزم وراء النجاح”.
ومن هنا تظهر “واقعيات” تخفض سقف الطموح الواقعي؛ لا ترفض الواقعية من أصلها، لكنها لا تلتزم بصدق النظرية كاملة، ولا تُعمّم الالتزام على كل ما لا يُرصد.
الطيف بدل الثنائية: الواقعية واللاواقعية ليستا “ثنائية صارمة”
من الخطأ تمثّل هذه المسألة كأنها اختيار بين “واقعية علمية” و“لاواقعية علمية” على طريقة الانقسام الثنائي الحاد. الواقع أن داخل هذا الإطار الجدلي يوجد طيف تدرّجي. هناك درجات بين طرفين: من الواقعية الأشد صرامة إلى اللاواقعية الأشد صرامة، وبينهما واقعيات انتقائية، ولاواقعيات مقتصدة، ومواقف هجينة تصف نفسها بقدر من الواقعية في باب وبقدر من التحفّظ في باب آخر.
ولهذا لا يلزم من نقد “الصورة الأشد صرامة” من الواقعية العلمية أن يكون الناقد “لاواقعيًا” بالمعنى الغالي، ولا يلزم من رفض “لاواقعية غالية” أن يكون المرء ملتزمًا بالواقعية الصلبة. قد يختار المرء أن “يدور مع الدليل حيث دار” دون أن يرى التصنيفات أسماءً ملزمة بذاتها.
اللاواقعية العلمية: ليست إنكارًا للعالم الخارجي ولا مساواة بالمثالية
سؤال شائع: “هل اللاواقعية العلمية تقوم على إنكار العالم الخارجي؟” والجواب: ليس بالضرورة؛ بل الغالب عكس ذلك. اللاواقعية العلمية تُستخدم عادةً لوصف موقفٍ يفرّق في قوة ثبوت النظرية بين المشاهد وغير المشاهد؛ فيتحفّظ على نوع محدد من الالتزام: الالتزام بمطابقة النظريات للواقع بشكل حرفي فيما تقوله عن الكيانات غير المرصودة أو غير القابلة للرصد.
ولهذا من الخطأ مساواة اللاواقعية العلمية بـ“المثالية” أو بـ“إنكار الواقع” أو باللاواقعية الميتافيزيقية/الإبستمولوجية التي تتصل بنفي استقلال العالم أو التشكيك العام في إمكان المعرفة. كثير من اللاواقعيين العلميين لا يناقشون أصل وجود العالم، وإنما يناقشون الدلالة والمعرفة: هل لغة العلم عن غير المرصود تُقرأ حرفيًا؟ وهل النجاح يبرر القفزة إلى صدقٍ حرفي؟
“مضاد الواقعية العلمية” لا يلزمه إنكار كل غيب
يظن بعض الناس أن كل معارض للواقعية العلمية الكلاسيكية يلزمه أن ينكر كل كيان غير مرئي، بل كل غيب على الإطلاق، وكأن المعارض يُخيّر بين: “إما أن تثبت الأوتار الفائقة في الغيب أو تنكر كل كيان غيبي”! وهذا خلط بين مقامٍ ومقام.
مضاد الواقعية العلمية—في أصل المعنى—يعترض على دعوى مخصوصة: أن نجاح النظرية التجريبية يوجب تصديقًا حرفيًا بكيانات النظرية غير المرصودة. فمن قال: “النجاح لا يكفيني وحده لهذا الإلزام” لم يقل: “كل غير مرئي باطل”، بل قال: “هذا التبرير بعينه لا يلزمني”.
ومن هنا يمكن—من حيث الاتساق—أن يثبت الشخص كيانات غير مرئية بدليل عقلي مستقل، لأن اعتراضه موجّه إلى نوع معين من التبرير (النجاح التجريبي) لا إلى كل مسارات التبرير. نعم قد يقترن بمضاد الواقعية موقف زائد أشدّ—مثل حصر المعرفة في التجربة وحدها—فينتهي إلى إنكار الغيب (كما عند هيوميين وغلاة وضعيين يجمعون ذلك مع النزعات الاسمية وغيرها)، لكن هذا موقف زائد لا لازم عن مجرد معارضة الواقعية العلمية.
العلم بوصفه طريقة مخصوصة داخل المعرفة: النمذجة، الترجيح بين النماذج التفسيرية الموجودة بالفعل، والمزايا النظرية
من المفيد هنا التفريق بين “اللاواقعية الإبستمولوجية العامة” وبين “اللاواقعية العلمية” داخل منهج العلم التجريبي. فهناك اتجاهات تشكيكية عامة تقلل الثقة في المعرفة الإنسانية برمتها، وهذه ليست هي محل النقاش هنا.
أما العلم التجريبي فهو طريقة أخص من مطلق المعرفة: فيه نمذجة رياضية وتصورية، وفرضيات، وأدوات تحقق، وحقول يتكلم فيها: المرصود المباشر، والمرصود المؤوّل، وغير المرصود. وفي غير المرصود—أو فيما لا يمكن حسمه بالمشاهدة المباشرة—يظهر دور “المزايا النظرية” التي يُرجَّح بها بين نماذج متنافسة حين لا يوجد قطعٌ حسي حاسم بأن نموذجًا بعينه مطابقٌ للواقع: كالسلاسة والبساطة، والقدرة الإجرائية، والاتساق مع حقول أخرى، والانسجام الداخلي… إلخ. وهذه مزايا تجعل نموذجًا “أوفق للاجتماع عليه” داخل مجتمع علمي أو حقل معين في زمن معين، دون أن تكون—بذاتها—برهانًا قطعيًا على المطابقة الحرفية للواقع غير المرصود.
المرصود وغير المرصود: غير المرصود القابل للرصد وغير القابل له، والمشاهدة المؤوّلة
بعض اللاواقعيين يميزون داخل “غير المرصود” بين قسمين:
قسم غير مرصود حتى الآن وقد يُرصد مستقبلًا، وقسم لا يقبل الرصد أصلًا “بالتعريف” كما صيغ في النظرية.
ويميزون كذلك داخل “المرصود” نفسه بين:
مشاهدة حسية مباشرة بلغة طبيعية (كقولك: هذا طويل، هذه شجرة)، وبين مشاهدة “مباشرة بالتأويل” أي حين تنزل على المرصود هويةً أو تفسيرًا بناءً على تصور مسبق. (راجع: قابلية الرصد بين الحسّ المباشر والحمولة النظرية)
ومثال ذلك: يُقال لك إن شخصًا اسمه “زيد” بصفات معينة سيفتح الباب، فتطرق فيفتح لك شخص بهذه الصفات فتقول: “هذا زيد”. أنت هنا تدعي مشاهدة زيد، وقد تكون مخطئًا؛ ربما هو أخوه التوأم. الوصف الحسّي المباشر صحيح (شخص طويل أشقر…)، لكن تثبيت الهوية على أنها “زيد نفسه” دخلها تأويل. هذا يبيّن أن “المشاهدة” ليست دائمًا درجة واحدة من المباشرة، وأن انتقال العلم من البيانات إلى الكيانات يتضمن—أحيانًا—مقدارًا من التأويل.
وفي الحقيقة توجد أقسامٌ أخرى لغير المرصود، مثل:
الغيب المطلق المؤبَّد: ما لا يمكن للإنسان رصده أو الإحساس به أو العلم به مطلقًا، مثل ما اختصَّ اللهُ بعلمه ممّا لم ولن يطّلع الإنسان عليه لا بخبرٍ ولا بحسٍّ.
الغيب المطلق المؤقَّت: ما لا يمكن للإنسان رصده أو الإحساس به أو العلم به، لكن سيُطْلِعُ اللهُ الإنسانَ عليه، إمّا خبرًا وإمّا حسًّا.
الغيب النسبي المؤبَّد: ما أطلع اللهُ عليه بعضَ البشر وغيَّبه عن آخرين على وجه الإطلاق سواء كانت حواسهم تقبل أن تكشفه أم لا.
الغيب النسبي المؤقَّت: ما اختصَّ اللهُ بعضَ البشر بعلمه الآن دون بعض، لكن سيطّلع عليه الآخرين لاحقًا، سواء كانت حواسهم تقبل أن تكشفه الآن أم لا.
والنسبية هنا قد تدخل على الزمان؛ أي إن أناسًا في زمانٍ ما علموا أمورًا لم يعلمها آخرون في زمانٍ آخر، ولو كانوا مشتركين في المكان نفسه. وقد تكون في المكان؛ إذ يعلمه من حضر مكانًا ما دون من لم يحضره. وقد تكون نسبيّةً باعتبار قوّة الحسّ؛ حيث يكشفه اللهُ لأناسٍ دون آخرين على سبيل المعجزة أو الكرامة. وقد تكون باعتبار اختلاف الدار (فالميّت في البرزخ يرى ما لا نراه). وقد تكون نسبيّةً باعتبار قوّة العلم؛ فيُطْلِع اللهُ أناسًا على شيءٍ بالحسّ المعاين، وآخرين بالخبر المُجمَل أو المُفصَّل.
وما يهمّنا هنا هو نفس معنى التغييب عن الحواسّ؛ فهذا لا يرفعه إلا الخبرُ أو الدليلُ العقليُّ المُعتبر، سواء بدلالةٍ عاديّة أو بدلالةٍ ضروريّةٍ فطريّة. وإمّا أن نتصوّر المُغَيَّب تصوّرًا مجملًا بالقدر المشترك المعنوي دون الكيفيّة، أو نعلم علمًا معتبرًا أنّه داخلٌ في نوعٍ من أنواع الموجودات حولنا فيشترك معها في الكيفيّة؛ فنُدرك من كيفيّته ما هو مشتركٌ بينه وبين نوعه دون إدراكنا لتفصيل ما يميّزه إدراكَ المُعاين له. فأنت قد تُدرك هيئةَ إنسانٍ كان يعيش قبل ألفي سنة: أنّ له يدًا ووجهًا، إلخ، وتعلم كيفيّتهما ولونهما علمًا إجماليًّا لاستقرائك الصفات المشتركة بين البشر، لكنك لن تُدرك ملامحه وما يميّزه وبصمته وصوته الخاصّ، إلخ، على التفصيل إلا برؤيته.
السببية عند اللاواقعيين: مسلكان، والتنبيه إلى أنها ليست حكرًا على اللاواقعية
سؤال: هل اللاواقعي يرفض السببية في العالم غير المشاهد؟ هنا طوائف، منهم الغلاة ومنهم المقتصدون، ويمكن تلخيصهم في قولين:
القول الأول (مقتصد): هناك سببٌ نجهل كيفيته الحقيقية، لكن لدينا تصورات نافعة أداتيًا وناجحة عمليًا. يقبل السببية من حيث وجود سبب ما، لكنه لا يلتزم أن كيفية السبب كما تصفه النظرية مطابقة حرفيًا.
ويُصاغ ذلك أحيانًا بهذا المعنى: “الظاهرة تُنمذج كما لو أننا نعرف سببها غير المرصود”، و“هناك سبب ما ولا بد، ونفترض سببًا بعينه داخل نموذج ينجح تجريبيًا، وهذا يكفينا عمليًا دون ادعاء مطابقة حرفية”.
القول الثاني (غالي): السببية نفسها أداتية! شبيه بمسالك هيومية/كانطية تتعامل مع السببية كمبدأ معرفي تنظيمي نافع لترتيب الخبرة، وربما هي معتبرة داخل إطار المحسوس، أما تعميمها خارج المحسوس فلا يصح إلا أداتيًا، ولا تُعامل بوصفها مبدأً عقليًا ضروريًا ملازمًا لمعنى الحدوث، بل كخبرة استقرائية ناقصة.
والتنبيه الذي ذكرتَه مهم: هذا القول الثاني ليس حكرًا على اللاواقعيين؛ بل يوجد ضمن بعض المذاهب التي تُحسب ضمن الواقعيات أيضًا، مع أمثلة كبرتراند راسل، وضمن التيار الهومي المعاصر أسماء مثل ديفيد لويس وباري لوير.
الواقعية الانتقائية والواقعية السببية: قرب منهجي من موقفٍ يثبت الوجود ويحترز في الكيفية
ضمن عائلة الواقعية الانتقائية يظهر مذهب “الواقعية السببية” كما طُرح عند نانسي كارترايت: تُثبت وجود السبب لأن كل حادث له سبب، لكن لا تجزم في ماهيته وكيفيته التفصيلية كما يصفه النموذج، ما دامت تلك الكيفية غير مرصودة ولا يمكن التحقق منها حسّيًا. المهم: أن يكون التصور مفيدًا في التعامل مع الظاهرة واستغلالها، مع قابلية دائمة للتعديل والتحديث.
ويتضح ذلك بمثالك: شخص لم يرَ النار قط، رأى شيئًا محترقًا فقال: لا بد له من مُحرِق. قد يشبهه بالجمر لأنه يعرف أن الجسم الساخن يحرق، لكن الحقيقة أن سبب الاحتراق كان نوعًا آخر من النار أو تفاعلًا مختلفًا بخصائص أخرى (حتى اللون قد يختلف). هو مصيب في إثبات وجود سبب وقدرة على الإحراق، لكنه غير مُلزَم أن يصيب الكيفية التفصيلية من أول محاولة. فيُبقي الاستدلال السببي، ويتحفّظ في الكيفية، ويستعمل النموذج الأقرب وظيفيًا حتى يثبت خلافه.
والجدير بالذكر أنها أيضًا توافقنا في حدود القانون الطبيعي، فهي لا ترى أن الأصل في فرضه أن يتم تعميمه مطلقًا حتى يثبت تقييده بغيره (كما هي طريقة البوبريين أصحاب الاستقراء المقلوب، راجع: تصوّران مختلفان عن الاستقراء) بل هي ترى أنها أنماط من المشاهدات مبنية على وجود نظام سببي في الحيز المكاني والزماني الذي حصل به الاستقراء، وكلما ابتعدنا عنه يقل يقيننا في استمرار واطراد هذا النظام السببي المبني بالأساس على طبائع واستعدادات في الأشياء من حولنا، فهو ليس قانون رياضي أو كيان ذو طبيعة غيبية تجعل السببية الجزئية تعمل، بل هو نابع أصلًا عن تفاعل الأسباب حولنا مع بعضها بناء على طبائع الأشياء لذلك القانون "محلي" وليس كوني universal" بطبعه، ويتم تعميمه بالتعضيد الاستقرائي بالمشاهدات، ويؤطر بإطارها ولا نتخطى ذلك لنجعل القانون سمة حاكمة على كل الوجود المادي أو كل الكون سواء المرصود أو غير المرصود بالضرورة، لأن طبائع الأشياء والأنظمة السببية في بيئتها قد تختلف عما نشهده.
وهذا قريب من قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
ونحن لم نقدح فيما علم من الأمور الطبيعية والرياضية لكن ذكرنا أن ما يدعونه من البرهان الذي يفيد علوما يقينية كلية بالأمور الطبيعية ليس كما يدعونه بل غالب الطبيعيات إنما هي عادات تقبل التغير ولها شروط وموانع
- الرد على المنطقيين
وكذلك موقفه من القوانين الرياضية التي نصف بها طبائع الأجسام وتفاعلاتها، فيقول:
فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو مربعا ولو تصور كل ما في أقليدس أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا أن ذلك يطلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما.
- الرد على المنطقيين.
راجع: المثالية الفيثاغورية في العلم الرياضي: جاليليو مثالًا
الحداثة العلموية وما بعدها: الثقة المطلقة بالعلم في الغيبيات مقابل التحفّظ
ضمن الصورة الأشد صرامة من الواقعية العلمية يظهر تصور يجعل العلم منتجًا للحقيقة “دائمًا” أو “غالبًا” على نحو شبه حرفي حتى في الغيبيات البعيدة جدًا. هذه الصورة كثيرًا ما تسير مع مسلّمات فلسفة الطبيعة: انتظام الطبيعة، تماثل الأمكنة والأزمنة، وانغلاق الكون سببيًا وعدم دخول تدخل فوق طبيعي، ثم تُضمّ إليها ثقة عالية جدًا بقدرة العقل والمنهج العلمي على الوصول إلى ما وراء الشاهد كما يصل إلى الشاهد.
ثم جاءت تحولات إبستمولوجية أعادت تقييم الثقة المطلقة بالعقل والحس، وتفرّعت عنها نزعات تقول: الأطر الثقافية والعقدية تؤثر في النظر، والعقل لا ينتج اتفاقًا حتميًا كما كان يُظن، فانعكس ذلك على العلم: إذا كان العلم منتجًا لعقلٍ وحسٍّ غير مضمونين بهذه الصرامة، فلماذا نجعل نجاحه وحده جسرًا إلى التزام حرفي بالغيبيات؟ ومع ذلك لا يلزم أن يكون هذا تحولًا كليًا شاملًا في كل سياق؛ إذ يبقى في الممارسة العلمية حضور قوي للتعامل مع الكيانات غير المرصودة وكأنها “مرئية” من شدة الجزم الخطابي بها.
موقع المسلم من هذا الجدل: واقعية معرفية عامة، وتحفّظ في الغيب التفصيلي، وتقديم للوحي في مضماره
هنا تظهر نقطة جوهرية في تفكيك السؤال: هل يمكن القول إن المسلمين أقرب إلى اللاواقعية من الواقعية العلمية؟ الجواب يتوقف على التمييز بين نوعين:
لاواقعية إبستمولوجية عامة تُضعف الثقة في المعرفة الإنسانية كلها، وهذه لا تُتبنى هنا.
ولاواقعية/تحفّظ علمي مخصوص في باب غير المرصودات والغيبيات التي يتكلم فيها المنهج العلمي عبر نماذج لا تُحسم حسّيًا.
المنهج هنا: قبول الواقعية في أصل المعرفة والحسيات والمشاهدات المباشرة، والتحفظ في الغيبيات التفصيلية التي لا تُحسم بالمشاهدة المباشرة ولا تقوم فيها قرائن قاطعة على المطابقة الحرفية. والتمييز بين “إثبات وجود شيء سببيًا” وبين “الجزم بكيفيته التفصيلية” هو لبّ هذا التوازن.
ثم إن مبحث الكيفية الغيبية—من حيث هو كيفية—لا يُجعل للمنهج التجريبي، بل للوحي في مضماره؛ فإذا حصل تعارض بين تصورات مستمدة من قياس الشاهد على الغائب وبين نصٍّ، قدّم الوحي في هذا الباب؛ لأن القياس هنا مبني على فرض تماثل لم يُشاهد نظيره أصلًا حتى يصح الإلزام به.
وفي هذا المعنى يوجد تقاطع جزئي مع مواقف كـ“الواقعية السببية/الانتقائية”: إثبات الوجود بدليل معتبر (كالسببية)، والتحفظ عن ادعاء مطابقة حرفية في الكيفيات غير المرصودة.
وأقصد بالكيفية هنا الكيفية الحسية لحقيقته، وإلا فنحن نتصور عنه بعض الصفات بالقدر المشترك، بل ونضفي عليه تشبيهات لكيفيات تدخله في مسمى نوع معين من الموجودات المعروفة، ونصفه بأنه يقوم بعمليات نفصلها بتفصيل يحاكي نمط آثاره التي نشهدها، مستعملين في ذلك قياس التمثيل والاستنباط من الفرض hypothetico-deductive.
وهذه العملية "النمذجة" هي التي تضع إطار تفسيري theoretical model له تعريفات وطريقة تحقق تربط بين المشاهد والتفسير المفروض بعلاقة دلالية معيارية، وتبني على ذلك تنبؤات بناء على لوازم الصفات المفروضة للكيان ومسمى الكيان وما نتصوره عن حقيقته ونحول تلك العبارات القانونية التي تتحدث عن الكموم والعلاقة بينها إلى عبارات بأعداد ورموز رياضية تحاكي النمط الحسي الواقعي، الذي بالفعل اختبرنا أن تصورنا يشببه من بعض جوانبه على الأقل الوظيفية، لكن الشك فقط في الكيفية الحسية التي لو رصدناه بالحواس بشكل مباشر أو بمعظمات الحواس لوجدناه عليها دون توسط تمثيل وتشبيه بكيانات أخرى.
أسماء تُذكر في سياق لاواقعية/أداتية في ممارسة العلم
قائمة بأسماء من الممارسين أو المنسوبين إلى اتجاهات لاواقعية/أداتية بدرجات مختلفة، مثل: إرنست ماخ، بيير دوهيم، بيرسي دبليو. بريدجمان، هنري بوانكاريه، نيلز بور، آشر بيرِس، كريستوفر فوكس، روديغر شاك، ديفيد ميرمن… والقائمة تطول، فهو ليس موقفًا هامشيّا أو حبيس الكتب.
خاتمة
يتلخص البناء الذي قدمته في نقاط: الواقعية العلمية ليست دعوى واحدة بل طيف من الأطروحات، ومعيار “الواقعية” يتشكل غالبًا من أركان ميتافيزيقية ودلالية ومعرفية. اللاواقعية العلمية—في الأغلب—لا تنكر العالم الخارجي، بل تتحفظ في نوع الالتزام تجاه غير المرصودات، وتطعن في كفاية نجاح العلم وحده لإثبات الصدق الحرفي والوجود الميتافيزيقي كما تصفه النظرية. كما أن نقد الواقعية العلمية لا يلزم منه إنكار الغيب ولا إنكار إمكان الأدلة العقلية الاستنباطية؛ لأنه اعتراض على مسار تبريري مخصوص. ومن داخل هذا الطيف تظهر واقعيات انتقائية وسببية تُثبت الوجود وتتحفظ في الكيفية التفصيلية. وقد ناقشت هذه البنية وما يتصل بها بتفصيل في كتابي “ضد الواقعية العلمية”.