الغيث الشامي

المثالية الفيثاغورية في العلم الرياضي: جاليليو مثالًا

أبين في هذا المقال مثالًا على دخول النظرة المثالية الفيثاغورية للكون من خلال نزوع لتعامل بعض العلماء مع العبارات القانونية الرياضية على أنها أشياء موجودة في الخارج كامنة في بنية العالم الحسي.

المثالية الفيثاغورية في العلم الرياضي: جاليليو مثالًا
«كُتِبَت اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﰲ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻜبير، 
اﻟﻜﻮن، اﻟﺬي ﻳﻈﻞ ﻣﻔﺘﻮًﺣﺎ داﺋًﻤﺎ ﻷﻋﻴﻨﻨﺎ، ﻟﻜﻦ اﻟﻜﺘﺎب ﻻ يمكن أن ﻳُﻔَﻬﻢ إﻻ إذا ﺗﻌﻠﻢ المرء فهم اﻟﻠﻐﺔ وقراءة الحروف التي كتب فيها. إﻧﻪ ﻣﻜﺘﻮب ﺑﻠﻐﺔ اﻟﺮياﺿﻴﺎت، وﺣﺮوﻓﻪ المثلثات واﻟﺪواﺋﺮ وأﺷﻜﺎل ﻫﻨﺪﺳﻴﺔ أﺧﺮى، ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﻋﻠﻰ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻬﻢ ﻛﻠﻤﺔ واﺣﺪة بدونها، ﻓﺒﺪونها، ﻳﺘﺠﻮل المرء ﰲ ﻣﺘﺎﻫﺔ ﻣﻈﻠﻤﺔ». 
- جاليليو
1 Galilei, G. (1957). The assayer (S. Drake, Trans.). In S. Drake (Ed.), Discoveries and opinions of 
Galileo (pp. 229–280). Anchor Books. (Original work published 1623). 

وانظر تأثر جاليليو بالنظرة الأفلاطونية للكون، فهو يرى أن سبب انتظام الكون بحيث يمكن وصفه بالرموز والأنماط الرياضية لحساب تغيراته بعد تكميمها، هو أن الرياضيات التي هي لغة حسابية ذهنية، موجودة خارج الذهن ومتجذرة في الكون والكون يعمل وفقها أصلًا!

لا أنه لأنه منظّم سببيًا بأنظمة متعينة خارج الذهن راجعة لطبيعة الأجسام وتفاعلاتها، فيمكن وصفه بمعادلات رياضية تصف هذه النظاميات برموز رياضية وتحاكي بشكل تجريدي نمط التغير والعلاقات بين هذه الكموم، فهي تحكي عن الواقع بشكل مبسط ومرمّز وليس أنها هي الواقع أصلًا!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا ذلك أيضا في المادة والمدة والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الأولية التي غلطهم فيها جمهور العقلاء من إخوانهم وغير إخوانهم وأثبتوا مدة وجودية خارجة عن الأجسام وصفاتها وأثبتوا خلاء وجوديا خارجا من الأجسام وصفاتها وتفطن أرسطو وذووه أن هذه كلها أمور مقدرة في الأذهان لا ثابتة في الأعيان كالعدد"
 - الرد على المنطقيين (ص: 66)

وقال:

"كان أصحاب فيثاغورس يظنون أن الأعداد والمقادير أمور موجودة في الخارج غير المعدودات والمقدرات." -  الرد على المنطقيين (ص: 66)

ويقول في بيان الحق في نفس الأمر:

"فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو مربعا ولو تصور كل ما في أقليدس أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا أن ذلك يطلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما." - [ الرد على المنطقيين، 133]

ولاحظ أن جاليليو مع كونه يتبنى ميتافيزيقا (نظرة وجودية) فاسدة إلا أن حساباته المبنية على التجربة كانت تعطي نتيجة عملية نافعة ولو جزئيا، وهذا يبين انفكاك الجهة بين النفع العملي المبني على الرصد والتجربة وبين الجانب التفسيري الفلسفي في تفسير كيف تعمل الظاهرة وماذا يقف خلفها.

وقد أتينا في كتاب "ضد الواقعية العلمية" بكثير من هذه الأمثلة.