الغيث الشامي

صفة الحسنة والسيئة في القرآن الكريم

بحث في التلازم بين حسن الفعل وقبحه وعاقبته في القرآن الكريم

صفة الحسنة والسيئة في القرآن الكريم

 

بيّنت آيات الكتاب الحكيم أن الأفعال الإنسانية لا تنفك عن عواقبها، وأن حسن وقبح الفعل متلازم مع عاقبته، فهو سبب يفضي بصاحبه إلى كمال أو نقص، وإلى نفع أو ضرر، بحسب ما فيه من خير أو شر، وحسن أو قبح، وصلاح أو فساد.

فالإنسان يستكمل بفعله؛ إذ يصدر عن كمال فيه إذا كان نابعًا عن إرادة الخير الذي فيه نفعه، فإن أحسن التقدير واستقام فعله على وجهه، استكمل بعواقب الفعل ونتائجه، وحصّل الخير الذي قصده. وإن أساء التقدير أو انحرف الفعل عن مقتضى الخير، عادت عليه عاقبته بما يناسبه من نقص وضرر وهذا كله بحسب كمال العبد في علمه ونيته وصفاته.
وأما الحسنة من الله فهي نابعة عن كماله سبحانه، وأمره بالحسنة نابع عن محبته وحكمته وعدله وكمال ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فيفعل أحسن الأفعال ويأمر بأحسن الأفعال وينهى عن كل ما يغلب قبحه، ويراعي بذلك قدرة المأمور وعلمه.

ثم لا يكلف العباد ناقصي القدرة والعلم إلا ما يسعهم تحقيقه فيكون هو وحده خير الأخيار وأعدل الملوك، فلا يقدر أن يحقق الخير كله إلا هو.

قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

وقال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

ومن هنا جاءت الآيات الكثيرة في بيان أن الفعل الحسن، وهو الخير، ينفع صاحبه بنفع يعقب الفعل سواء في العاجل أو الآجل، وأن الفعل القبيح، وهو الشر والفاحشة والفساد، يعقبه شر على العبد، عاجلًا كان أو آجلًا. وشواهد ذلك في القرآن كثيرة، منها قوله تعالى:

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ — آل عمران 3:137

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ — الأنعام 6:11

﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ — الأنعام 6:135

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ — الأعراف 7:84

﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ — الأعراف 7:86

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ — الأعراف 7:103

﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — الأعراف 7:128

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ — يونس 10:39

﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ — يونس 10:73

﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — هود 11:49

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — يوسف 12:109

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ — الرعد 13:22

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ — الرعد 13:24

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ — الرعد 13:35

﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ — الرعد 13:42

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ — النحل 16:36

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ — طه 20:132

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ — النمل 27:14

﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ — النمل 27:51

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ — النمل 27:69

﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ — القصص 28:37

﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ — القصص 28:40

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — القصص 28:83

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ — الروم 30:9

﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ — الروم 30:10

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ — الروم 30:42

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ — لقمان 31:22

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ — فاطر 35:44

﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ — الصافات 37:73

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ — غافر 40:21

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ — غافر 40:82

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ — الزخرف 43:25

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ — محمد 47:10

﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ — الطلاق 65:9

فبين الله تعالى بهذه الآيات كيف أن العاقبة السيئة داخلة في معنى قبح الفعل؛ فلا ينظر القرآن إلى الفعل مجردًا عن مآله، بل يربط بين الصلاح والعاقبة الحسنة، وبين التكذيب والظلم والإجرام والإفساد والعاقبة السيئة. ولذلك كانت العاقبة للمتقين، وكانت عقبى الدار لأهل الصبر والعمل الصالح، وكانت عاقبة المكذبين والمفسدين والمجرمين شاهدة على فساد أفعالهم.

والمحرمات التي نهى الله عنها هي الفواحش والمفاسد المكروهة له سبحانه، وهي إما متضمنة لانتقاص ما يجب لله تعالى من حقه سبحانه النابعع عن كماله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإما متضمنة لما يناقض عدله ورحمته وحكمته في خلقه، من الإفساد في الأرض والإضرار بالخلق بغير حق.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — الأعراف 7:28

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ — النحل 16:90

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ — البقرة 2:205

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ — المائدة 5:64

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ — القصص 28:77

وقال تعالى في التفريق بين أهل الصلاح وأهل الإجرام والفساد:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ — القلم 68:35-36

﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ — ص 38:28

فدلّت هذه الآيات أن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، ولا يحب الفساد، ولا يسوي بين المسلم والمجرم، ولا بين المؤمن المصلح والمفسد في الأرض، ولا بين المتقي والفاجر. وهذا يبيّن أن للأفعال صفات وآثارًا وعواقب، وأن الحسن والقبح في أفعال العباد يرجعان إلى ما تشتمل عليه الأفعال من نفع وضرر، وصلاح وفساد.

وفي بيان ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

«والله تعالى عليم حكيم، علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح، فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي، والمأمور والمحظور، من مصالح العباد ومفاسدهم، وهو أثبت حكم الفعل، وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب. وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع؛ أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن؛ لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح».


ثم قال في نوع آخر:

«أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود، ففداه بالذبح. وكذلك حديث الأبرص والأقرع والأعمى لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم؛ فرضي عنك، وسخط على صاحبيك. فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به. وهذا النوع والذي قبله لم تفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع». — مجموع الفتاوى، 8/434-436

 
قلت: فهذا النوع راجع إلى الأمر بما يبتلي الله به عباده ليحققوا موجبات كمال عبوديتهم له والأمر بذلك نابع عن كمال استحقاقه للعبادة فيأمرهم بأكمل ما يظهر منهم حسن العبادة وكمال المحبة، فيحب منهم من الأفعال ما يحقق هذه المعاني ويثيبهم عليها برحمته وحكمته وعدله، والنوع الأول هو أنه يأمرهم بمقتضى كمال ربوبيته فيتعبدهم بكل ما فيه صلاح وخير يحبه سبحانه وهو يحب أحسن الأشياء ولا يحب الفساد.

وقال رحمه الله:
«ولما كان العباد يكملون بأفعالهم، ويصلحون بها؛ إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ناقصين، صح إثبات الكسب لهم؛ إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم. والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله، فأفعاله عن أسمائه وصفاته، ومشتقة منها، كما قال: أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي. والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله، فيحدث له اسم العالم الكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه.
ومن هنا ضلت القدرية؛ حيث شبهوا أفعاله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا بأفعال العباد، وكانوا هم المشبهة في الأفعال؛ فاعتقدوا أن ما حسن منهم حسن منه مطلقًا، وما قبح منهم قبح منه مطلقًا، بقدر عقلهم وعلمهم.

أو لم يعلموا أنها إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحهم، وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم؟ والله سبحانه متعال عن أن يلحقه ما لا يليق بسبحاته». — جامع المسائل، ص 94-95

وقال أيضًا:

«والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم، وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل. ولهذا اختار الرازي في آخر أمره أن الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد. وأما إثبات ذلك في حق الله تعالى فهو مبني على معنى محبة الله ورضاه، وغضبه وسخطه، وفرحه بتوبة التائب، ونحو ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع: هل ذلك صفات ليست هي الإرادة كما اتفق عليه السلف والأئمة، أو ذلك هو الإرادة بعينها كما يقوله من يقوله من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم». — الرد على المنطقيين، ص 422

 
فحاصل هذا أن الكتاب العزيز يقرر أن الأفعال من حيث هي أفعال لابد لها من عواقب، وأن العاقبة ليست أمرًا منفصلًا عن معنى الفعل إذ هو سبب لها، بل فهي كاشفة عن حسنه وقبحه. فما كان عدلًا وإحسانًا وتقوى وصلاحًا أعقب صاحبه خيرًا وكمالًا، والله بحكمته وعدله يرتب الحسنة على الحسنة والسيئة على السيئة فتسوء أهلها فما كان فحشاء وظلمًا وفسادًا وإجرامًا أعقب صاحبه شرًا ونقصًا.

فالله سبحانه يحلل أمورًا عند غلبة حسنها ولو كان ارتكاب العبد لها لضرورة ونقص، ويحرم أمورًا وأفعالا هي كمال وحسنة في أصلها لكن لما كان العبد عاجزا عن احتمال فعل الكمال في كل حين وحال فكانت لنقص فيه قد تودي به إلى عاقبة سوء وضرر كبير فيغلب قبحها فحرمها الشارع رحمة به.

وقد يؤخر تحريم القبيح لأن تحريمه قبل أوانه يفضي إلى فساد أكبر كما في تأخير تحريم الخمر، وتحريم زواج المتعة، والله أعلم من العباد بعواقب الأمور ولوازمها.

وعند التعارض يحل للمؤمن بل ويجب عليه فعل الأصلح ولو كان في الأصل والعادة محرم وقبيح، لكن قد يضطره ضيق الحال لتحصيل الخير الأكبر بارتكاب مفسدة أصغر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

 "وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر." - مجموع الفتاوى (20/ 57)


ومقام البحث في تحليل ما هو هو قبيح في نفسه حال حسنه لغيره (غلبة حسنه في مقام معين واضطرار العبد لارتكابه لتحصيل هذا الحسن) هو في أفعال العباد فقط وإلا فيبين شيخ الإسلام في هذا المقام أن "الله تعالى غنيٌّ لا يضطرُّ" - شرح الأصبهانية صـ 559.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم