كتاب النبوات هو من أواخر مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ويمكن القول أنه كتاب أصولي في النبوات، يبني الأساس الاستدلالي لفقه أدلة النبوة معرفيّا، ويرد على أصول الطوائف الضالة والمبتدعة في هذا الباب، وما يتعلق بها من مسائل في الوجود والصفات، سأحاول جمع الحواشي التي كتبتها على بعض فقرات الكتاب مرتبة بحسب الباب.
في المعرفة
مسألة في التفريق بين المتماثلات عند ادعاء الضرورة
التعليق الصوتي على الاقتباس:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وأما دعوى الضرورة: فمن ادّعى الضرورة في شيءٍ دون شيءٍ مع تماثلهما، وعدم الفرق بينهما في نفس الأمر، كانت دعواه مردودةً، بل كَذِباً؛ فإنّ وجود العلم الضروري بشيء دون شيء، لا بُدّ أن يكون لفرقٍ؛ إمّا في المعلوم، وإمّا في العالِم. وإلاّ فإذا قدر تساوي المعلومات، وتساوي حال العالِم بها، لم يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر."
- النبوات
سبب ذكر ابن تيمية لهذه القاعدة المعرفية الجليلة، والتي يدرك عمقها من له باع في نقد نظريات المعرفة والابستمولوجيا هو:
قال شيخ الإسلام:
من أصول الأشاعرة:
أنهم جوّزوا على الرب كلّ ما يُمكن، ولا ينزهونه عن فعل لكونه قبيحاً، أو نقصاً، أو مذموماً، ونحو ذلك. بل يعلم ما يقع وما لا يقع بالخبر؛ أي بخبر الرسول كما علم بخبره المأمور والمحظور، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، أو بالعادة مع أنّ العادة يجوز انتقاضها عندهم. لكن قالوا: قد يُعلم بالضرورة عدم ما يجوز وقوعه، من غير فرق؛ لا في الوجود، ولا في العلم بين ما علموا انتفاءه، وما لم يعلموه؛ إذ كان أصل قولهم هو جواز التفريق بين المتماثلين بلا سبب. فالإرادة القديمة عندهم تُرجّح مثلاً على مثل بلا سبب في خلق الرب وفي أمره. وكذلك عندهم قد يُحدث في قلب العبد علماً ضرورياً بالفرق بين المتماثلين بلا سبب. فلهذا قالوا: إنّ الشرع لا يأمر وينهى لحكمة
- النبوات
هل يلزم بناء على هذا الكلام أن تكون مستحضرًا دائمًا لتفريق معين بين مسألة تجدها ضرورية ومسألة لا تجدها كذلك؟
في المناظرة نعم بناءً على شرط المناظرة، لأنك قبلت أن تناظر شخص لا يسلم لك بضرورة هذه القضية فلا بد أن تأتي بإلزام يدله على صحتها هي بعينها فلا يقع اشتراك في الدليل يوجب التكافؤ مثلًا.
لكن بينك وبين نفسك، قد يحصل لك علم ضروري بشيء دون شيء ولا يلزمك أن تعلم ما وجه الفارق المؤثر بين هذا وهذا، لكن يلزمك أن تعلم أنك بمجرد إدراكك لضرورة هذا دون هذا، أن هناك فارقًا ما سواء في كيفية العلم بهذا دون هذا، أو في صفة موجودة في هذا المعلوم دون هذا المعلوم، جعلك تفرق بينهم في الحكم مثلًأ.
فتفريق العقل بفطرته بين قضيتين يوجب العلم بانتفاء التماثل بينهم بل يوجب العلم بوجود فارق مؤثر سواء انتبهت له بشكل واعٍ أم لا.
أما أن تدعي أن الفرق هو نفس الحكم بالضرورة وليس ثم سبب مرجح بين هذا المحكوم عليه وهذا سوى نفس الحكم! فهذا هو الفاسد
فصل: أسباب ظهور الفلاسفة على المتكلمين
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ففي الجملة: ظهور الفلاسفة، والملاحدة، والباطنية على هؤلاء تارة، ومقاومتهم لهم تارة؛ لا بد له من أسباب في حكمة الرب، وعدله، ومن أعظم أسبابه: تفريط أولئك وجهلهم بما جاء به الأنبياء، فالنبوة التي ينتسبون إلى نصرها، لم يعرفوها، ولم يعرفوا دلائلها، ولا قدروها قدرها، وهذا يظهر من جهات متعددة، ولا حول ولا قوة إلا بالله."
- النبوات
قاعدة معرفية لشيخ الإسلام تبطل أدلة الدراونة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"الدليل الذي هو الآية والبرهان يجب طرده كما تقدم؛ فإنه لو كان تارةً يتحقق مع وجود المدلول عليه، وتارةً يتحقق مع عدمه. فإذا تحقّق لم يعلم: هل وجد المدلول، أم لا؟ فإنّه كما يوجد مع وجوده، يوجد مع عدمه."
- النبوات
ويمكن استثمار هذه القاعدة في نقض التطور الدارويني كمثال:
فيقال: قد زعمتم أن توزيع معين للأحافير على طبقات الأرض المكتشفة يدل على صحة التطور
والصواب أن يقال في صياغتكم للدليل لو كان التطور صحيحا لكان متسقًا مع ما نراه من توزيع للأحافير على طبقات الأرض (زعموا) (1) ولاستطعنا تفسيره على ضوء نظرية التطور بطريقة طبيعانية (2)
فيقال: لكن كونه متسق مع نظريتكم لا يدل دلالة عادية ولا ضرورية على صحة النظرية إنما يدل فقط على أنها احتمال عقلي لا ندري له وجه امتناع ضروري منطقيا بشكل مبدئي (3)
ولكنه أيضا متسق مع عدة نظرات تفسيرية بحيث أنه لن يتناقض معها بحيث لا يبقى مع السبر والتقسيم إلا نظرية التطور فتكون هي التفسير الضروري والوحيد عقلا
ولا العادة تدل عليها إذ لا عادة لنا بحدوث التطور الكبروي أصلا ولا عادة لنا بانقلاب الصغروي كبروي ولا يحتج بالامكان العقلي على الخارجي إذ العقلي محض سلب للعلم بوجه الامتناع الخارجي والعقلي محله الذهن لا يشير لأي صفة خارجية في موجود خارجي.
بالمحصلة:
لا عادة تربط بين السبب والنتيجة ولا ضرورة عقلية
والأحافير بنفس التوزيع توجد عند صحة النظرية وعند عدمها والمعارض هو المطالب بالدليل على المنع وإلا ففي العقل المحض والعادة يستوي الطرفين.
هامش:
(1) هذه المقدمة أصلا معارضة عند كثير من العلماء بما يسمى "الانفجارات" وأشهر مثال له الانفجار الكامبري
(2) ولا نسلم أن التفسير الطبيعي أولى في الغيبيات ولا تصح هذه المقدمة إلا من زعم أنه ليس في غيب العالم والوجود إلا كشاهده وهذا محض تحكم
بل نزعم أمتناع هذه النظرة وأنها تؤدي للتسلسل والشك في العقل
(3) نزعم الامتناع العقلي الضروري لنظرية التطور، فكمال حكمة الله تمنع من أن يخلق مخلوقا قاصرا عن الحكمة التي خلق لها ثم يطوره من الأحط الأنقص في الخلقة إلى الأكمل عن طريق الأخطاء والطفرات العشوائيى التي يكون معظمها فاسد، بل يخلق الله كل مخلوق كامل الخلقة متكيف تمام التكيف مع كل بيئة أراده الله أن يعيش فيها منذ أول لحظة يخلف فيها نوعه
في تصحيح المسلك الإستدلالي عند الرادين على الإلحاد
فصل: المخلوقات آيات للرب
"لكن تدلّ على ما هو أعم منها؛ وهو وجود الرب، وقدرته، ومشيئته، وحكمته؛ فإن وجود ذاته وصفاته ثابت؛ سواءٌ كانت هذه المخلوقات موجودة، أو لم تكن؛ فيلزم من وجود المخلوق وجود خالقه، ولا يلزم من عدمه عدم خالقه؛ فلهذا كانت المخلوقات كلّها آيات للربّ؛ فما من مخلوق إلا وهو آية له؛ هو دليل، وبرهان، وعلامة على ذاته وصفاته ووحدانيته. وإذا عُدم كان غيره من المخلوقات تدلّ على ما دل عليه، ويجتمع على المعلوم الواحد من الأدلّة ما لا يحصيه إلا الله.
كل مخلوق هو علامة على ذاته سبحانه وصفاته ووحدانيته"
- شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، النبوات
فتأمل كيف جعل شيخ الإسلام ابن تيمية الفقر الذاتي الظاهر في المخلوقات وعلامته (حدوثها ونقصها) دلالة ضرورية على خالقها في كل أحوالها، وكل أنواعها وأصنافها بشكل لا ينفك عنها من حيث أنها مخلوقة.
أمثلة على الخطأ في التعامل مع هذه القضية:
لكن بعض من قرأت لهم في هذا العصر من الرادين على الملاحدة جعلوا مسألة دلالة المخلوقات على الخالق من جنس المسائل البعدية "a posteriori" بمعنى أنها تخضع لاستقراء أحوال نوع معين من المخلوقات ثم وضع كل النظريات التفسيرية الممكنة لوجوده والترجيح بينها احتماليّا بالسبر والتقسيم على الطريقة التجريبية في اختيار النظريات لتفسير ظاهرة معينة (inference to the best explanation)، أي اختيار أرجح تفسير أحتمالي، ومحاولة إقصاء الاحتمالات الأخرى بأنها أقل احتماليّا حتى يسلم لك الاختيار الراجح.
والهدف عند هؤلاء هو إثبات أن الظاهرة المعينة لا يقدر العلم على تفسيرها بشكل "طبيعاني - مادي" حتى يسلم لهم نسبتها للفعل الإلهي الغيبي!، فحق للطبيعيون الملاحدة حينئذ أن يقولوا لهم أنتم تقعون بمغالطة "god in the gaps إله الفجوات"، لأنكم تقتاتون على البقايا التي تتركها نظرياتنا التفسيرية دون تفسير يصل لمرحلة القبول الاجتماعي الذي لا يقبل التشكيك في زمن من الأزمنة لإدخال كيانات غيبية، لكنكم تسلمون لنا أن الأصل هو التفسير الطبيعي إن وجد، وأنكم أنتم المطالبون بإثبات امتناع تفسيره طبيعيا حتى يسلم لكم تفسيركم أنتم.
فكما ترى أنهم يدخلون خلف الملاحدة لجحر الضب ثم يقتاتون على مساحات صغيرة فارغة في نظريات الملاحدة، حتى صرح أحدهم في جدال معي بأن الكائنات ليست كلها دالة على الخالق! بل لا بد من صياغة نظرية تميز بين الكائنات الدالة على الخالق والكائنات التي تقبل عقلًا أن تصدر عن الخالق وعن آليات طبيعية!
بل وصل الأمر ببعضهم لأن يقول أنه لا يمكن له أن يقول "سبحان الله" عندما يرى ظاهرة يمكن تفسيرها بآلية طبيعية! كالرعد مثلًا!!!
وأصبح النقاش بينهم وبين الملاحدة صورته الآتي:
هل من الأرجح أن نرى هذه الظاهرة في عالم مخلوق أم في عالم غير مخلوق؟ ويتناقشون في الرجحان الاحتمالي وكأنهم لديهم تجربة مقارنة بين عالم مخلوق وعالم غير مخلوق وخبرة فيه بحيث يكون قد حصل لهم تقدير احتمالية وجود ظاهرة كهذه في عالم غير مخلوق وعلموا أنها أكثر ضئالة أو منعدمة استقرائيا فيه!، ولا ينبهون حتى على أن جملة "عالم غير مخلوق، جملة متناقضة ذاتيا أصلًا!"
وكأن الطبيعة نفسها ليست مخلوق من مخلوقات الله هو خالقها وحافظها ومقيمها وخالقِ لكل آثارها وما ينتج عنها!"
فهؤلاء ما وقعوا في هذا الغلط المبين إلا لتلبسهم باعتقاد النصارى القدرية الذين يجعلون الطبيعة والصدفة العشوائية خالقة مع الله سبحانه فلزم على عقيدتهم أن يضعوا معيارًا للتفريق بين ما يخلقه الله سبحانه وما يخلقه غيره من الشركاء حتى لا يتشابه الخلق عليهم!
الصواب في المسألة:
الصواب أن مجرد العلم بحدوث الشيء المعين أو باتصافه بصفات النقص وهو أمر حدسي يمكن معرفته بالمشاهدة المباشرة ولو لمرة واحدة كافٍ للعلم بافتقاره للخالق الواجب المقيم له ولكل الأسباب الناقصة التي جعلها سببًا وسيطا في خلقه أو في بقائه وتعضد ذلك الفطرة الدالة على حدوث هذا العالم من حولنا وكل ما هو داخل فيه مما غاب عنا وافتقاره إلى مدبر من فوقه.
كل المخلوقات ناقصة مفتقرة للغني بنفسه ونقصها دليل على فقرها الذاتي الملازم لحدوثها، وحدوثها كذلك دليل على افتقارها للمحدث المخصص لها بإرادته، وإرادته لهذا المخلوق على هذه الصفة دون غيرها دليل على حكمة عنده من ذلك، وكمال ذاته الملازم لغناها عن ما سواها دليل على كمال كل صفاته التي دلت عليها كل المخلوقات دلالة ضرورية لا تقبل احتمال النقيض، وكل ذلك ظاهر فطرة وبداهة لا يحتاج لصياغة نظرية أصلًا، لكن هذه الصياغة هي تصوير للتلازمات الفطرية التي تقوم بنفس الواحد منا.
في التحسين والتقبيح العقليين
إذا كنت تقول أن الإنسان قبل الرسالة لا يستطيع أن يميز بين الخير والشر والحسن والقبيح مطلقًا، فمبارك عليك، شيخ الإسلام ابن تيمية يقول لك: لقد لقنوك حجج الجهمية الجبرية!
حيث يقول:
"والجهمية المجبرة الذين قالوا: إنّ الله قد يفعل كل ممكن مقدور لا يُنزّهونه عن فعل شيء، ويقولون: إنه يفعل بلا سبب، ولا حكمة، وهو الخالق لجميع الحوادث؛ لم يُفرّقوا بين ما تأتي به الملائكة، ولا ما تأتي به [الشياطين، بل الجميع يُضيفونه إلى الله على حدٍّ واحد، ليس في ذلك حسن ولا قبيح عندهم، حتى يأتي الرسول. فقبل ثبوت الرسالة لا يميزون بين شيء من الخير والشر، والحسن والقبيح."
- النبوات
فبدلًا من ذلك الصواب من ذلك أن يقال: إن الإنسان به ملكة فطرية يفرق بها بين الحسن والقبيح والخير والشر في كثير من القضايا العامة وبعض القضايا الخاصة، ولذلك هو أصلًا قادر على التفريق بين النبي الذي يأمر بالعدل والخير وبين الساحر الذي يأمر بالشر والفواحش!
في الوجود
في الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين في المقدّم بين العقل والحس
"الفلاسفة أصول علمهم العقليات والمتكلمون أصول علمهم الحسيات
مع أنّ هؤلاء المتفلسفة عمدتهم هي العلوم العقليّة. والعقليّات عندهم أصحّ من الحسيّات. وأولئك المتكلمون أصول علمهم هي الحسيّات، ثمّ يستدلّون بها على العقليّات."
- شيخ الإسلام ابن تيمية، النبوات.
وهذا يظهر لك في حلولهم لما يسمى بالمعضلة الزباء الداهية الدهياء
حيث يشهد المتكلمون بضرورة صدور الحادث عن القديم لأجل الضرورة الحسية التي تخبر بوجود حوادث.
بينما بعض الفلاسفة يقدمون نظرهم العقلي في ضرورية بساطة العلة وصدور معلولها عنها أزلا على الحس حتى أن بعضهم جعل الحس يتوهم الحدوث وأنه لا حدوث في الخارج!
وأشهر من قال بهذا المذهب من اليونانيين هو زينون الإيلي وقدم العقل النظري على الحس الضروري.
قد أطلت الكلام في كلام ابن تيمية في الوجود في كتيّب "الخلق من مادة عند ابن تيمية بين الوجوب والحكمة"
قضايا متنوعة
في سبب شيوع الإيمان بالملائكة والشياطين في مختلف الأمم والأزمان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"الإقرار بالملائكة، والجن عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الأمم، ولهذا قالت الأمم المكذبة: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} ؛ حتى قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون. قال قوم نوح: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة} ، وقال: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أن لا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون} .
وفرعون وإن كان مظهرا لجحد الصانع؛ فإنه ما قال: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} إلا وقد سمع بذكر الملائكة؛ إما معترفا بهم، وإما منكرا لهم.
فذكر الملائكة، والجنّ عامّ في الأمم.
وليس في الأمم أمّة تُنكر ذلك إنكاراً عاماً، وإنّما يُوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد يتفلسف، فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم."
- النبوات
فهذه آية على جنس النبوة العام في البشر وأن بقايا النبوات متوافرة فمعظم الأمم المعروفة حتى اليوم شائع فيها ذكر الملائكة والشياطين والسحر في مشارق الأرض ومغاربها، فضلًا عن ذكرهم للإله فهذا أمرٌ أظهر وأعم، بل فكرة الدين نفسه شائعة بينهم وحتى الأديان الفلسفية المحضة فهم يربطونها بالآلهة فوق البشرية، فالقدر المشترك بين كل هذه المعتقدات متواتر بين كل الأمم المعروفة من زمن قديم وإلى اليوم فهو أمر متوارث في الوعي الجمعي للشعوب ومخزون في لغاتهم.
وكذلك ذكر شيخ الإسلام أن إنكار بعض الناس له لمجرد عدم علمهم بخصوصهم، وهذه شبهة باردة تكثر عند من يظن في نفسه الذكاء فينكر ممكنات عقلية أسندها بعض الناس للحس أو للخبر بدعوى أنها مخالفة للعقل، فلا يفرق بين العقل الضروري والعادة الحسية النسبية، ومع ذلك فهو يظن نفسه عقلانيّا لا تمرُّ عليه الخرافة، مع أن ما يقوم به خرافة منطقية (مغالطة) إذ يسوي بين عدم العلم والعلم بالعدم.
واليوم هناك ملل كاملة مبنية على مثل ذلك مثل "الفلسفة الطبيعية" المبنية على الجزم بنفي الغيب لمجرد عدم العلم به من طريقهم.
في أنواع الدعاء والغاية منها:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ولفظ دعاء الله في القرآن يراد به دعاء العبادة، ودعاء [المسألة] ؛ فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد. ودعاء المسألة يكون المراد منه؛ كما في قول المصلي: {إياك نعبد وإياك نستعين} ؛ فالعبادة إرادته، والاستعانة وسيلة إلى العبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود، ولهذا قدم قوله: {إياك نعبد} ، وإن كانت لا تحصل إلا بالاستعانة؛ فإن العلة الغائية مقدمة في التصور والقصد، وإن كانت مؤخرة في [الوجود] والحصول، وهذا إنما يكون لكونه هو المحبوب لذاته.
لكن المراد به محبة مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم، وعلى سبيل تخصيصها به؛ فيعبر عنها بلفظ الإنابة، والعبادة، ونحو ذلك"
-النبوات
فهذا فيه ضبط لبوصلة تصورات المسلم، إذ دعاء الوسيلة الذي هو لقضاء الحاجات، يفترض فيه أن يكون يتبعه تصور لعلاقة ما تربط هذه الوسيلة بالغاية النهائية وهي رضى الله المستلزم لمحبته وآثارها (النعيم الأبدي الدائم) والذي فيه كمال حال النفس في الدنيا بالرضى والآخرة في الجزاء والثواب.
وعلى هذه المسطرة تكون كثير من أدعيتنا دنيوية محضة لا صلة لها بمعنى الحياة ولا الغاية من وجودنا، بل كثير ما نستعين الله على ما نعلم أن وقوعه سيفضي بنا إلى المعاصي!
بل حتى الدعاء خرج عن مفهوم العبادة والاستعانة إلى مفهوم الأمر والاستحقاقية عند بعض الناس، فصار يسخط إن لم يعينه الله على ما يريد، وكأن مشيئته مقدمة على مشيئة الرب التكوينية فيما يريد أن يدبر فيه ملكه لا العكس! فسبحان الله
نظرة الفلاسفة الإسلاميين في عصره للعبادات والأخبار الغيبية.
"والعبادات كلّها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة سياسة مدنيّة. والعلم الذي يدّعون الوصول إليه لا حقيقة لمعلومه في الخارج.
والله أرسل رسوله بالإسلام والإيمان بعبادة الله وحده، وتصديق الرّسول فيما أخبر؛ فالأعمال عبادة الله، والعلوم تصديق الرّسول. "
- النبوات
فالدين كله إما خبر أو أمر، فطاعة الله في الخبر تصديقه، وطاعته في الأمر الامتثال له.
وأما مسلك الفلاسفة فهو حمل الخبر على أنه لغز أو مجاز لمعنى عقلي محض في قالب وصف حسي للتقريب لأذهان عامة الناس وغوغائهم، والأمر سياستهم فيما لا يقدرون هم على سياسة أنفسهم دونه بخلاف الفلاسفة الخواص فإن لهم درجة على الناس!.
لكن ليس هذا موطن الشاهد، إنما الشاهد أن في هذا العصر هناك نوعٌ من الإنسانوية يمكنك أن تطلق عليها "الإنسانوية المتسامحة"، وهذه الإنسانوية لها موقف يرى أن وجود الأديان ضروري ومفيد للمجتمع قيميّا:
فهو دافع للفرد والجماعة على أن يمتثل للأخلاق، لكن بشرط أن تكون تلك الأخلاق موافقة للقيم الإنسانوية، وأما ما يخالفها فيتم تعطيله أو تأويله وإن كان عصيّا على ذلك فيتم إقصاء أهله خارج المجتمع وتشويههم.
فالمصدر الأصلي للقيم عنده هو المشترك الإنساني، الذي فيه قدر كبير هو مشترك بين الأديان أصلًأ، وثم إزالة ما خرج عن هذا المشترك، فهو أشبه بخدعة لأهل الأديان، إذ ستصير إنسانويّا في صورة متدين.
وأما بالنسبة للأخبار الغيبية فموقفها، أن الإنسان من حقه أن يعيش "تجربة" اعتقاد معتقدات دينه كتجربة فردية، بل وتجربة "اعتقاد" أنها مطابقة للواقع، لكن دون تطبيق ذلك عمليّا أو إدخاله للمعمل، فالأمر هو تجربة شعورية محضة، إن لم يكن بإمكانك تأويل هذه النصوص لموافقة العلم، فاحملها على أنها قصص لها عبرة شعورية أو قيلت لكي تُعاش تجربة شعورية ما أثناء قرائتها، لكن مع العلم بأن العلم هو الذي يصف الواقع بالنهاية.
لذلك هؤلاء يقولون التعارض بين العلم والدين مستحيل، إذ الحقل الذي يتكلم فيه الدين مخالفٌ تمامًا للحقل الذي يتكلم فيه العلم.
فالعلم مسؤول عن وصف الموجودات والحقائق الخارجية
والدين مسؤول عن وصف الحقائق الروحية (القيم والمشاعر)، وهم يجعلون الإله نفسه حقيقة روحية وتجربة شعورية، وهذا بدأ يظهر جليا مع تيار العصر الجديد التصوفي، فتراهم يقولون "الله في قلبك"، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرًا.
فهؤلاء يخلصون إلى شيء شبيه جدا بما جاء به فلاسفة القرون الوسطى من الباطنية الملاحدة المنتسبين زورًا وبهتانًا إلى الإسلام
ما انتقيته من اقتباسات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وكذلك مسمى العقل؛ فإن مسمى العقل قد مدحه الله في القرآن في غير آية.
لكن لما أحدث قوم من الكلام المبتدع المخالف للكتاب والسنة - بل وهو في نفس الأمر مخالف للمعقول، وصاروا يسمون ذلك عقليات، وأصول دين، وكلاما في أصول الدين، صار من عرف أنهم مبتدعة ضلال في ذلك ينفر عن جنس المعقول، والرأي، والقياس، والكلام، والجدل. فإذا رأى من يتكلم بهذا الجنس اعتقده مبتدعا مبطلا؛
وهؤلاء وهؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع والعقل ما هو محمود وما هو مذموم
كما أن هؤلاء لما رأوا أن جنس المنتسبين إلى السنة والشرع والحديث قد أخطأوا في مواضع، وخالفوا فيها صريح المعقول، وهم يقولون إن السنة جاءت بذلك، صار هؤلاء ينفرون عن جنس ما يستدل في الأصول بالشرع والسنة ويسمونهم حشوية وعامة. وكل من هؤلاء، وهؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع والعقل والسمع ما هو محمود ومذموم."
"وكون الله سبحانه مودودًا ليس بعجيب، وإنما العجب: جوده، وإحسانه؛ فإنه يتودد إلى عباده، كما جاء في الأثر: "يا عبدي! كم أتودد إليك بالنعم، وأنت تتمقت إلي بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم يصعد إلي منك بعمل سيء"
"وجاء في تفسير اسمه الحنان، المنان: أن الحنان: الذي يُقبِل على من أعرض عنه. والمنان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال."
"فالخوف من الله مطلوب لغيره، ليدعو النفس إلى فعل الواجب، وترك المحرم. وأما الطمأنينة بذكره، وفرح القلب به، ومحبته، فمطلوب لذاته. ولهذا يبقى معهم هذا في الجنة، فيلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس"
"فمن فرّ من حكم الله ورسوله أمراً وخبراً، أو ارتدّ عن الإسلام، أو بعض شرائعه خوفاً من محذور في عقله، أو عمله، أو دينه، أو دنياه، كان ما يُصيبه من الشرّ أضعاف ما ظنّه شرّاً في اتباع الرسول"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشاعرة: "وهم في السمعيات عمدتهم الإجماع. وأما الاحتجاج بالكتاب والسنّة، فأكثر ما يذكرونه تبعاً للعقل أو الإجماع. والعقل والإجماع مقدّمان عندهم على الكتاب والسنّة"
"وفي مناجاة بعض الداعين: ليس العجب من حبي لك مع حاجتي إليك، العجب من حبك لي مع غناك عني"
"ولما كان الذين اتبعوا هؤلاء وهؤلاء من المتأخرين؛ مثل أبي حامد، والرازي، والآمدي، وأمثالهم: هذا، ونحوه مبلغ علمهم بالنبوة، لم يكن لها في قلوبهم من العظمة ما يجب لها؛ فلا يستدلون بها على الأمور العلمية الخبرية؛ وهي خاصة النبي؛ وهو الإخبار عن الغيب، والإنباء به؛ فلا يستدلون بكلام الله ورسوله على الإنباء بالغيب التي يقطع بها، بل عمدتهم ما يدعونه من العقليات المتناقضة."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة، فلا يكون شاذاً وإن كان القائل به أقل من القائلين بذلك القول، فلا عبرة بكثرة القائلين باتفاق الناس، ولهذا كان السلف، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان يردون على من أخطأ بالكتاب والسنة، لا يحتجون بالإجماع إلا علامة."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وسُمِّيَت الجبال أعلاماً؛ لأنّها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويُعلم، ويُعرف قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: { [فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ}، ويقال ظهر الخطيب على المنبر. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأنّ الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يُعرف قبل غيره"
"فدلائل الصدق والكذب لا تنحصر كدلائل الحب والبغض، هي كثيرة جداً، وهذا يعرفه من جرَّب عادات الناس."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل من تكلم بلا علم فهو كاذب، والذي يدل عليه القرآن: أنّ كل من تكلّم بلا علم، فأخطا، فهو كاذب؛ كالذين حرّموا، وحلّلوا، وأوجبوا، وإن كان الشيطان قد زيَّن لهم ذلك، وأوهمهم أنّه حقّ" - النبوات
ومثله قال الإمام الطبري: "بل القائل في القرآن برأيه، وإن أصاب الحق فيه، فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان،" - تفسير الطبري #التفسير
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد علم أن الذنب إذا كُتِمَ لم يضرّ إلا صاحبه، ولكن إذا أُعلن، فلم يُنكر، ضرّ الناس"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وحُكي عن الجهم بن صفوان أنه كان يخرج، فينظر الجَذْمَى (مرضى الجذام)، ثم يقول: أرحم الراحمين يفعل هذا؟! يقول: إنه يفعل لمحض المشيئة، ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا."
توضيح ابن تيمية لبعض أسباب رده على الأشاعرة: يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله! ولو لم يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا إلى أن نُميّز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على هؤلاء من هذه السؤالات، لم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار، لكن لما تكلموا في إثبات النبوات صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا يُجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة، كما ذكرنا كلامهم، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام ونظاره والقائمون ببراهينه وأدلته، إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدلّ على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيهم أو الطعن ... فانسد طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه. والذي يفهم ما قالوه لا يكون إلا فاضلاً قد قطع درجة الفقهاء، ودرجة من قلّد المتكلمين، فيصير هؤلاء إما منافقين، وإما في قلوبهم مرض. ويظن الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال، وقدحهم في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشرّ، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلاً"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والرازي كلامه في النبوة متردد بين نبوة الفلاسفة، ونبوّة أصحابه هؤلاء، كما ترى، وليس في واحدٍ من الطريقين إثبات النبوة التي خصّ الله بها أنبياءه. فلهذا ضعفت معرفة هؤلاء بالأنبياء، وضعف أخذ العلم من طريقهم، لا سيما وقد عارضوا كثيراً ممّا جاء عنهم بالعقليات، ودخلوا فيما هو أبعد عن الهدى والعلم؛ من العقليات، والذوقيات التي من سلكها ضلّ ضلالاً بعيداً."
"والمتفلسفة أضلّ من هؤلاء؛ فإنهم يجعلون ما في الذهن ثابتاً في الخارج؛ فيدَّعون أنّ ما يتصوّره العقل من المعاني الغائبة الكليّة موجودة في الجواهر، قائمة بأنفسها؛ إما مجرّدة عن الأعيان، وإمّا مقترنة بها. وكذلك العدد، والمقدار، والخلاء، والدهر، والمادّة: يدَّعون وجود ذلك في الخارج."